جميع المواضيع
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مواضيع مميزة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مواضيع مميزة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 27 فبراير 2015




السؤال:  ما السبيل الى كبح جماح النفس الأمارة بالسوء مع العلم بأنها تقود الشخص للتهلكة لكن تطغى القوة الشهوية فتترك اللجام لتلك النفس الامارة؟

 

الجواب: إنها الإرادة الصادقة الجادة، فإن كل إنسان يتمنى أن يكون هو الأتقى والأنقى، ولكن:  (وما نيل المطالب بالتمني          ولكن تؤخذ الدنيا غلابا).

وكما قال الله تعالى: "ونفس وما سوّاها . فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكّاها . وقد خاب من دسّاها"[1]، و قال:" بل الإنسان على نفسه بصيرة . ولو ألقى معاذيره"[2].

وثانيا: أن عليه أن يبتعد مهما أمكن عن الخلوة، فإنها بؤرة الانحراف، والسقوط في أحابيل الشيطان والشهوات.

وثالثا: عليه أن يحافظ على أداء الواجبات ويدقق في ترك المحرمات، فلا يؤخر الصلوات مثلا، ويبتعد عن النظر إلى المحرمات، بل ويسعى لاجتناب المكروهات والالتزام بالمستحبات، حتى تصبح له سليقة وملكة.

ورابعا: عليه من أجل أن يحقق ما تقدم أن يزيد من اطلاعاته عن المعاصي والطاعات وآثارهما الوضعية، وتبعاتهما التكليفية. فإننا إذا اطلعنا على قبح الأشياء وجدنا تنفرا ذاتيا منها، فلا نقربها لما انكشف لنا ما فيها من خبث وأذى، وهذا الكلام يصح عند الاطلاع على نورانية الطاعات والقربات، وطي المدارج العلمية. ومعنى هذا أن يرتبط بالعلماء الأتقياء وكتبهم. فكلما زاد علما يجهد لتمثله في نفسه. وإلا فإن العلم أسرع شيئا تفلتا من قلب المرء إذا لم يطبقها في حياته. وكما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف العمل فإن أجابه وإلاّ ارتحل عنه"[3]".

وخامسا: أن تنفض عنك اليأس والقنوط. فإن الشيطان والنفس الأمارة بالسوء يلعبان لعبتهما هنا لتحطيم النفوس، وجرها إلى مستنقع الرذيلة والسقوط، بزرع اليأس في القلوب، وتصوير الأمر فيها أنه محال وغير ممكن، بينما جعل الله سبحانه اليأس من الكبائر التي تساوق الكفر والعياذ بالله، قال تعالى: " إنّه لا ييأس من روح اللّه إلّا القوم الكافرون"[4]. وقال: "قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إنّ اللّه يغفر الذّنوب جميعا إنّه هو الغفور الرّحيم"[5].


سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.


________________

[1] الشمس: 7-10.

[2] القيامة: 14-15.

[3] نهج البلاغة: الحكمة 363.

 [4] يوسف: 87.

 [5] الزمر: 53.

السبيل إلى كبح جماح النفس الأمارة




السؤال:  ما السبيل الى كبح جماح النفس الأمارة بالسوء مع العلم بأنها تقود الشخص للتهلكة لكن تطغى القوة الشهوية فتترك اللجام لتلك النفس الامارة؟

 

الجواب: إنها الإرادة الصادقة الجادة، فإن كل إنسان يتمنى أن يكون هو الأتقى والأنقى، ولكن:  (وما نيل المطالب بالتمني          ولكن تؤخذ الدنيا غلابا).

وكما قال الله تعالى: "ونفس وما سوّاها . فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكّاها . وقد خاب من دسّاها"[1]، و قال:" بل الإنسان على نفسه بصيرة . ولو ألقى معاذيره"[2].

وثانيا: أن عليه أن يبتعد مهما أمكن عن الخلوة، فإنها بؤرة الانحراف، والسقوط في أحابيل الشيطان والشهوات.

وثالثا: عليه أن يحافظ على أداء الواجبات ويدقق في ترك المحرمات، فلا يؤخر الصلوات مثلا، ويبتعد عن النظر إلى المحرمات، بل ويسعى لاجتناب المكروهات والالتزام بالمستحبات، حتى تصبح له سليقة وملكة.

ورابعا: عليه من أجل أن يحقق ما تقدم أن يزيد من اطلاعاته عن المعاصي والطاعات وآثارهما الوضعية، وتبعاتهما التكليفية. فإننا إذا اطلعنا على قبح الأشياء وجدنا تنفرا ذاتيا منها، فلا نقربها لما انكشف لنا ما فيها من خبث وأذى، وهذا الكلام يصح عند الاطلاع على نورانية الطاعات والقربات، وطي المدارج العلمية. ومعنى هذا أن يرتبط بالعلماء الأتقياء وكتبهم. فكلما زاد علما يجهد لتمثله في نفسه. وإلا فإن العلم أسرع شيئا تفلتا من قلب المرء إذا لم يطبقها في حياته. وكما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف العمل فإن أجابه وإلاّ ارتحل عنه"[3]".

وخامسا: أن تنفض عنك اليأس والقنوط. فإن الشيطان والنفس الأمارة بالسوء يلعبان لعبتهما هنا لتحطيم النفوس، وجرها إلى مستنقع الرذيلة والسقوط، بزرع اليأس في القلوب، وتصوير الأمر فيها أنه محال وغير ممكن، بينما جعل الله سبحانه اليأس من الكبائر التي تساوق الكفر والعياذ بالله، قال تعالى: " إنّه لا ييأس من روح اللّه إلّا القوم الكافرون"[4]. وقال: "قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إنّ اللّه يغفر الذّنوب جميعا إنّه هو الغفور الرّحيم"[5].


سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.


________________

[1] الشمس: 7-10.

[2] القيامة: 14-15.

[3] نهج البلاغة: الحكمة 363.

 [4] يوسف: 87.

 [5] الزمر: 53.

من طرف طريق الفضيلة  |  نشر في :  9:03 م

الأربعاء، 17 ديسمبر 2014


السؤال: هل آدم النبي عليه السلام هو أبو البشر جميعهم؟ أم هو أبو قوم خاصين منهم؟ وكما يقول بعض الخطباء المعروفين: إنه أبو البشر في منطقتنا، ولكل منطقة آدم خاص بهم؟  وقال: إن هذا ما يدل عليه تاريخ التراب الذي هو أصدق وأدق من تاريخ الكتاب، فالأول تاريخ خال من التزوير والتزييف، لا يعرف التحريف ولا الرشاوى والمحسوبيات التي تدفع لكتابه، فيدونوه كيفما يشاء الأقوياء والمتسلطون. وبخاصة وأن بعض الحفريات تثبت العثور على أجساد متحجرة لبشر عاشوا فوق الأرض قبل مليوني سنة، أو مليون وخمسمائة ألف عام، بينما هذا الذي تذكره الأحاديث وقصص الأنبياء لا يكاد يتجاوز الخمسة عشر الف عام فقط، فأين هذا من هذا؟ وماذا نفعل مع هذه الأحافير؟
 
الجواب: مفاد النصوص الشرعية من الكتاب المجيد والأحاديث الشريفة على أن آدم النبي عليه السلام هو أبو البشر، وهي بذلك ترفض النظرية الداروينية، التي تبتني على رجوع أصل الانسان إلى القرد، أو أن الانسان مع القرد فصيلتان اثنتان متطورتان في أصلهما عن أصل واحد!.
وهذا الكلام المذكور في متن السؤال مرفوض لعدم خلوه من النقاش من عدة جهات:
 
تاريخ التراب وتاريخ الكتاب
فهو أولاً: بنى رأيه على مجرد تكهنات، وإن سميت بتاريخ التراب، ففي عهد قريب من الأعوام قالوا بتقديراتهم الجيولوجية هذه، وبحساباتهم المأخوذة من العمر الإشعاعي للأرض، وقياسات الرصاص في اليورانيوم والمعادن الغنية: إن عمر الأرض في حدود مليارين إلى ثلاثة مليارات سنة، وإذا بهم اليوم بعد ما لا يزيد عن عشرين أو ثلاثين سنة يقولون: إن عمرها يقرب من خمسة مليارات سنة ( 4.54 مليار سنة حسب موسوعة الويكيبديا الألكترونية). ولا نقاش في أن حساباتهم اليوم تأخذ بعين الاعتبارات موازين أكثر دقة من ذي قبل، ولكن كيف يمكن للعاقل أن يطمئن إلى الأرقام التي يقولون بها مع أنها قابلة للتغير، وبهذا الفرق الفاحش والمدهش؟!
ولا شك أن تقدير عمر الأرض يختلف عن تقدير عمر سكانها، ولكن الاختلاف في النتائج التقريبية، موجود في كلا الحسابين. وفي مثل هذه الحالة، هل نقدّم النظرة الترابية كما يقول هذا البعض؟ أم النظرة الكتابية؟ خصوصاً مع الأخذ بالاعتبار مجموعة من المرجحات العقلائية، من قبيل: النصوص الوحيانية التي يمكن القبول بها ولو بحدودها الإجمالية، بلحاظ توفر القرائن على عدم حصول التواطؤ فيها على الكذب أو التزييف، ولا سيما مع المداقة المفيدة للاطمئنان في علم الدراية، في أخبار العقيدة والأحكام.
فنحن نتساءل: هل أن كلام الله اليقيني، وهو الخالق والشاهد الحاضر الصادق، وهو يقص علينا قصة خلق الانسان الأول، والمعضود بتوضيح الأخبار المسندة بثقات الرواة المشهود لهم بالصدق أوثق وأولى بالقبول والاتباع، أم بأحافير لا يجزم فيها زعماؤها إلا بتخمينات وحدوس قد تصيب وقد تخطئ؟ ثم إن احتمال التزييف في الاثنين - إذا أبينا – موجود في الحالتين، وهو في الترابي لا يقل عن الكتابي، إن لم يزد عليه، وكم قرأنا أخباراً عن آثار كشفوها في بلاد وبنوا عليها أقوالهم وتقديراتهم، ثم إذا بها بعد مدة ينكشف أنها لم تكن واقعية، بل مزورة منحولة، بغرض المتاجرة بتاريخ هذا البلد ونكاية ببلد آخر، أو بغرض التجارة المادية البحتة.
 
نظرية الأسلاف تواجه معضلات عقدية كبيرة:

وثانياً: إننا لو تنزلنا وقبلنا هذه النظرية المزعومة، فإننا سنواجه مشكلات عقدية عويصة وعديدة عقلية ونقلية لا حل لها، بخلاف ما لو قلنا بالنظرة الوحيانية المنطلقة من متون الشريعة، والمؤيدة بشهادات الشرائع الأخرى السماوية - مع القطع بعدم التواطؤ -.
 ومن تلك المشاكل العقدية: أن الهدف من الخلقة أصلاً كما تظهره الآيات والروايات المستفيضة بل المتواترة إنما هو عبادة الله وتوحيده، وخلافة الله في أرضه من قبل الإنسان، وعدم خلو الأرض من حجة على البشر، لكيلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وأن الأرض لو خلت من الحجة لساخت بمن عليها، وأن النبي وآله معصومون طاهرون مطهرون، تنقلوا من أصلاب طاهرة إلى أرحام مطهرة، لم تنجسهم الجاهلية بأنجاسها، ولن تلبسهم من مدلهمات ثيابها، وغير ذلك من الحقائق الدينية الثابتة التي لا يمكن الجمع بينها وبين هذه النظرية.
أما نظرية أسلاف آدم فتفترض أنهم كانوا يعيشون حياة بدائية، تحكمها الفوضى والظلم وسفك الدماء.
 
أدلة القائلين بأسلاف آدم عليه السلام:

وأهم ما يذكره أصحاب هذا القول غير انبهارهم بما يسمى بالكشوف الأثرية والعلمية، هو: بعض النصوص القرآنية أو الروائية التي يتخيلون دلالتها على مذهبهم، من قبيل قول الملائكة لرب العزة: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟!"[1]، وقوله تعالى: "إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين"[2]، بناء على أن المراد من اصطفاء آدم بمعنى انتقائه من بين البشر الذين كانوا يعيشون في عصره أو قبله.
ومن الروايات استدلوا بمثل ما رواه الصدوق في (التوحيد): بسنده عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله عز وجل: " أََفعَيينَا بالخَلق الأَوَّل بَل هم في لَبس من خَلق جَديد"[3]، قال: يا جابر تأويل ذلك أن الله - عز وجل - إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم، وسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، جدد الله عالماً غير هذا العالم، وجدد خلقاً من غير فحولة ولا إناث، يعبدونه ويوحدونه، وخلق لهم أرضاً غير هذه الأرض تحملهم، وسماء غير هذه السماء تظلهم، لعلك ترى أن الله إنما خلق هذا العالم الواحد وترى أن الله لم يخلق بشراً غيركم، بل والله لقد خلق الله ألف ألف عالم، وألف ألف آدم، أنت في آخر تلك العوالم)"[4]. بتقريب: أن الإمام عليه السلام أولاً: صرح بكونهم ألف ألف آدم، فهو إذن ليس واحداً، فلا يمكن القول: إن البشر اليوم كلهم من نسل آدم الشخص، بل كلهم آدميون، وثانياً: صرح كذلك ببشريتهم، وثالثاً: جعل البشر اليوم في آخر القائمة!
كما يتصور بعضهم بوجود شبهة عويصة بناء على النظرية الوحيانية، في استمرار النسل من آدم مع حواء فقط، إذ كيف استمر النسل، هل تزوج أبناء آدم ببناته؟ وأنه لا يمكن حل هذه المعضلة إلا بوجود أوادم متعددين، ثم يؤيدون ما ذهبوا إليه بوجود التنوع اللغوي والإثني لدى البشر، حيث السود والبيض والصفر والحمر والسمر، وذوي العيون الزرقاء والسوداء والبنية، وما أشبه ذلك، الذي لا يمكن بزعمهم أن يرجع إلى رجل واحد ذي ملامح وجينات واحدة حسب قانون الوراثة الجيني.
 
مناقشة الأدلة المذكورة:
لكنها حجج ضعيفة لا تقف أمام النقد الجاد، ونحن نشير إلى مواقع الإشكال فيها بشكل مختصر:
 
سفكة الدماء هم قوم النسناس
فأما الذين نسب إليهم سفك الدماء فقد أشارت النصوص المعصومية إليهم بأنهم قوم غير البشر، وأنهم يدعون النسناس[5]، ولا علاقة لهم من قريب أو بعيد بالبشر، نعم ربما يقال بأنهم أرضيون، وقد احتمل البعض كونهم من الجن، وهو لا يخلو من النقاش والتأمل الواضح أيضاً، لأن الله تبارك وتعالى قد صرح في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بقوله: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"[6]، فالكلام الذي قلناه عن الحجة والهدف من الخلق يأتي أيضاً بحق الجن، سواء بسواء.
 
معنى اصطفاء آدم:

وأما اصطفاء آدم من بين من عاصره أو سبقه، فهو مجرد تخرص وتحكم لا تدل عليه الآيات، بل القرآن صريح وقاطع بأن آدم (عليه السلام) كان وحيداً مع زوجه في الجنة، فلم يكن له مثيل ولا شبيه قبل مجيء ذريته، والقرآن يفسر بعضه بعضاً؛ قال تعالى: " إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين"[7]، ولا معنى لاعتراض الملائكة ولا لاستفسارهم عن الحكمة في خلقه، إلا بعد الإذعان بأنه خلق جديد، ولم يأت بالتكاثر أو التناسل ممن سبقه، لأن المفروض هو استمرار الأجناس السابقة، بواسطة التكاثر الجنسي، فما معنى الحديث عن خلق جديد، وبصفات جديدة.
 ثم يوضح الله سبحانه أن هذا البشر هو آدم الذي سجدت له الملائكة إلا إبليس أبى واستكبر، وقال "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"[8]. ثم يقص علينا قصة أول بشر مع زوجه، وكيف كانا وحيدين في الجنة، ثم خرجا منها.. وهكذا يذكرنا بين الفينة والأخرى بأننا كلنا أبناؤه وذريته ؛ فيقول رب العزة جل وعلا: " يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا"[9].
 ومعلوم أن الخطاب موجه لكل البشر، ولو كان لغير بني آدم وجود لاستثنى وخصص، مع أننا نراه سبحانه دائماً ما يؤكد هذه البنوة من كل البشر لآدم، فيقول سبحانه: " يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا"[10]، وقال: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ"[11]. والتعميم فيها لكل البشر واضح لا لبس فيه. ومثلها في التعميم قوله سبحانه: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا "[12].
 
خلق الله ألف ألف عالم وألف ألف آدم:

وأما الكلام عن الحديث المروي عن الإمام الباقر عليه السلام، فمع تسليمه لا يدل على مزاعم القوم، ذلك لأن الإمام عليه السلام بصدد ذكر فياضية الله جل وعلا، وأنه لا يقتصر خلاقيته على خلقنا نحن البشر فقط، بل خلاقيته مستمرة وقديمة، فقبلنا خلق خلقاً غيرنا، ولسوف يخلق خلقاً كذلك بعدنا مهما شاء. لكن هل هؤلاء الخلق هم الخلق الذين كانوا على هذه الأرض وينتمي إليهم النبي آدم عليه السلام، أم هم قوم آخرون؟ وقد يكونون على كواكب سماوية أخرى غير هذا الكوكب، وقد يكونون على هذا الكوكب، ولكنهم خلق آخر غير هذا البشر، ألا تراه عليه السلام يصرح بأنهم من غير فحولة ولا إناث، يعني مختلفين عنا تمام الاختلاف، مع أن الله سبحانه يقول: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل"[13]، ويقول: "أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى . أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى"[14].
ثم ألا تراه وهو يقول: " إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم وسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار جدد الله عالماً غير هذا العالم وجدد خلقاً"، فهو خلق آخر في نشأة أخرى، لا ينتمي أحدها للآخر. وبذلك يتضح الكلام بالنسبة إلى لقب البشرية والآدمية، فإنما أراد عليه السلام أن يقول: إنهم خلق مكلف بعبادة الله ومعرفته، وبالتالي كيف كان يمكن له أن يعبر؟ بماذا يسميه لجابر حتى يعرفه؟ أتراه يعقل أو يستوعب لو نعته بوصف خارج تصوره وإدراكه، إن الحكمة تقتضي أن يكلم المرء الناس بما يفهمون ويعرفون، ولكنه في الوقت نفسه بذكره الفوارق الأساسية قد بين أنهم ليسوا بشراً، ولا آدميين منتمين لهذا الآدم، ولا هو منتم لهم، وإلا لكانوا من نفس عالمه، لا عوالم أخرى، كما هو واضح للفطن اللبيب.
 
كيف تكاثر أبناء آدم؟

وأما شبهة استمرار نسل آدم عليه السلام وانتشاره فالأمر فيها سهل، وقد حسم أهل البيت عليهم السلام الأمر فيه، بقولهم أن الله أنزل لكل ولد من أولاد آدم زوجة يستولدها، بل حتى لو قلنا ببعض الروايات الأخرى التي تقول بزواج أبنائه من بناته، فالمشكلة أيضا تنحل معها، وإن كنا نصرّ على الاعتقاد بما أصر عليه أهل البيت المعصومين عليهم الصلاة والسلام. ثم إن المعضلة مع الإذعان بأنها معضلة واردة على نظرية أسلاف آدم أيضاً، حيث نسحب السؤال مرة أخرى إلى أول مخلوق خلقه الله سبحانه، ونقول: كيف استمر النسل منه، وهل أنه تم بتزاوج أولاده وبناته، أم مع جنس آخر؟!
 
كيف يرجع كل التنوع الإثني إلى شخص واحد؟!
وأما التنوع الإثني واللغوي فليت شعري أين المشكلة فيه مع ما نرى بأم أعيننا اليوم بزوال بعض اللغات وولادة غيرها، وتناسل بعضها من بعض. وإن اللغات العالمية اليوم ترجع في عمودها الفقري إلى لغات أمٍّ أصلية، كشجرة اللغات السامية التي تشمل السريانية والآرامية والعربية والعبرانية والسينائية واللحيانية وغيرها، وشجرة اللغات الهندوأوروبية التي تشمل السنسكريتية، والفارسية والبهلوية والدرية والجرمانية والإنجليزية والفرنسية غيرها. وهكذا سائر الأشجار اللغوية الأخرى.
 سواء قلنا بالنظرية الدينية التي تُرجع كل اللغات إلى اللغة السريانية لغة النبي نوح عليه السلام، الذي انقسم الناس من بعده إلى عدة أقوام رئيسيين، هم الساميون والحاميون واليافثيون، ثم انقسم كل منهم فيما بعد إلى أقوام ولغات متعددة. ويشهد له انقسام الإبراهيميين إلى العدنايين العرب واليعقوبيين العبرانيين، مع أنهم أبناء أب واحد قريب.
 أو قلنا بالنظرية الوضعية، التي تختلف معها في بعض التفاصيل والتقسيمات، ولكن على التقديرين فإن اللغات ترجع في أصولها إلى مجموعات أصغر، ثم أصغر، إلى أن تتوحد في لغة واحدة.
 ومما يؤيد هذا الأمر ما اشتهر من اشتراك عالمي في بعض الألفاظ أو بعض الدلالات المعنوية لبعض الحروف. وكل ذلك يتأيد بقوله تعالى في محكم كتابه الكريم: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"[15]، وقوله عز من قائل: " وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ"[16].
وكذلك رجوع الاختلاف العرقي واللوني إلى شخص واحد، فإنه غير مشكل. وها نحن نرى مثيلاتها في التفاوت النباتي والحيواني، مع أنها بالنتيجة لا بد وأن ترجع إلى مخلوق واحد. وقد ورد في الأحاديث إشارة إلى ذلك، في سبب تسمية آدم كالخبر المروي في البحار؛ قال: أتى أمير المؤمنين يهودي فقال: لم سمي آدم آدم، وحواء حواء ؟ قال: إنما سمي آدم آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وذلك أن الله تبارك وتعالى بعث جبرئيل عليه السلام وأمره أن يأتيه من أديم الأرض بأربع طينات: طينة بيضاء وطينة حمراء، وطينة غبراء، وطينة سوداء، وذلك من سهلها و حزنها.
ثم أمره أن يأتيه بأربع[ـة] مياه: ماء عذب، وماء ملح، وماء مر، وماء منتن، ثم أمره أن يفرغ الماء في الطين، وأدمه الله بيده فلم يفضل شيء من الطين يحتاج إلى الماء، ولا من الماء شيء يحتاج إلى الطين، فجعل الماء العذب في حلقه، وجعل الماء المالح في عينيه، و جعل الماء المر في أذنيه، وجعل الماء المنتن في أنفه، وإنما سميت حواء حواء لأنها خلقت من الحيوان[17].
 ثم إن لاختلاف الأرض والجو والماء وتفاعل البشر في مسيرة حياتهم الطويلة بمفردات الطبيعة أثراً على جيناتهم ومورثاتهم، فلتكن هي من أسباب ذلك التنوع. وما أجمل قوله تعالى: "فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"[18]!.
 
آدم عليه السلام واحد لكل الأرض
وثالثاً: أن القول بأن لكل منطقة آدماً مثير للدهشة حقّاً، ولا يحتاج لتكلف عناء الرد عليه، ولا سيما وأنه يفترض أن منطقتنا، التي هي مركز العالم، ومركز النبوات، ومهد الحضارات البشرية، تقع في آخر مناطق العالم من حيث الترتيب الآدمي، فآدمنا لم يمض عليه أكثر من خمسة عشر ألف عام، بينما آدم بكين وجاوة وجنوب أفريقيا وغيرهم قد مرّ عليه ما لا يقل عن مليون عام.
سورية في العصور القديمة، من الموسوعة العربية، سلطان محيسن
أضف إلى أن هذا الكلام لا يتم حتى لو تمشينا مع هذه النظرية، فإن أصحابها يقولون: إن المنطقة شهدت إنسان نياندرتال في العراق وفلسطين وهو ما يرجعونه إلى ما بين مائة ألف وخمسين ألفاً أو خمسة وثلاثين ألف سنة قبل التاريخ[19]. بل وذكرت بعض الكشوفات العثور على إنسان بكين في بعض مناطق العراق ومصر وفي ألمانيا القريبة نسبياً منا[20]، بل واكتشفوا بعض الأجساد التي ترجع إلى ثلاثة ملايين ونصف إلى أربعة ملايين سنة في أريتريا[21]! وبعد هذا كيف يمكن القول إن لكل منطقة آدماً؟!
إن أصحاب النظرية أنفسهم لا يدعون ذلك بل يقولون: إن الأجناس التي سبقت البشر مروا بمراحل من التطور والتكامل لا يصح إطلاق اسم الانسان عليها، فيسمونه تارة الإنسان القرد، والغوريلا، وذلك قبل الإنسان العاقل. وأين هذا الكلام من القول إن آدم وهو الإنسان الأول العاقل السوي، لم يكن أبا جميع البشر العقلاء الحاليين. أما أصل التشابه، ووجود أجناس تشبه الجنس البشري فلا دليل على نفيها في المصادر الوحيانية.
النسناس سبق بني آدم فوق الأرض
 
بل يمكن تأييدها ببعض الشواهد، كمسألة الوحدة في النظام، والتشابه البين بين خلق كل المخلوقات الحية، في مراحل ولادتها ونموها، حتى النباتات، فضلاً عن الأسماك، وسائر الحيوانات، كما يشهد لها أيضاً بعض الروايات، مثل الخبر الذي نقله القطب الراوندي في كتابه قصص الأنبياء، ونحن نورده بكامله، لما له من الفوائد الجمة، وما يقدمه من إضاءات في هذا المجال، وإن كنا لا نقول به بتفاصيله، فهو مجال بنفسه يحتاج إلى البحث والتحقيق.
قال في  (الباب الأول ) تحت عنوان: ( ذكر خلق آدم وحواء عليهما السلام ) ما نصه:
 أخبرني الشّيخ عليّ بن عليّ بن عبد الصّمد النّيسابوري، عن أبيه، أخبرنا السّيد أبو البركات عليّ بن الحسين الجوزي، أخبرنا الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، أخبرنا أبي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قالا: أخبرنا سعد بن عبد الله أخبرنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، أخبرنا الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السلام)؛ هل كان في الأرض خلق من خلق الله تعالى يعبدون الله قبل آدم - عليه السلام - وذرّيته ؟
فقال: نعم قد كان في السّماوات والأرض خلق من خلق الله يقدّسون الله، ويسبّحونه، ويعظّمونه باللّيل والنّهار لا يفترون، وأنّ الله عزّ وجلّ لمّا خلق الأرضين خلقها قبل السّماوات، ثم خلق الملائكة روحانيّين لهم أجنحة يطيرون بها حيث يشاء الله، فأسكنهم فيما بين أطباق السّماوات يقدّسونه في اللّيل والنّهار، واصطفى منهم إسرافيل وميكائيل وجبرائيل، ثم خلق عزّ وجّل في الأرض الجنّ روحانيين لهم أجنحة، فخلقهم دون خلق الملائكة، وخفضهم أن يبلغوا مبلغ الملائكة في الطيران وغير ذلك، فأسكنهم فيما بين أطباق الأرضين السّبع وفوقهنّ يقدّسون الله اللّيل والنّهار لا يفترون، ثم خلق خلقاً دونهم، لهم أبدان وأرواح بغير أجنحة، يأكلون ويشربون، نسناس أشباه خلقهم وليسوا بإنس، وأسكنهم أوساط الأرض على ظهر الأرض، مع الجن، يقدّسون الله اللّيل والنّهار لا يفترون.
 قال: وكان الجن تطير في السّماء، فتلقى الملائكة في السّماوات، فيسلمون عليهم ويزورونهم ويستريحون إليهم ويتعلّمون منهم الخير. ثمّ أنّ طائفة من الجن والنّسناس الّذين خلقهم الله وأسكنهم أوساط الأرض مع الجن، تمرّدوا وعتوا عن أمر الله، فمرحوا وبغوا في الأرض بغير الحقّ، وعلا بعضهم على بعض في العتوّ على الله تعالى، حتّى سفكوا الدماء فيما بينهم، وأظهروا الفساد، وجحدوا ربوبيّة الله تعالى.
قال: وأقامت الطائفة المطيعون من الجن على رضوان الله تعالى وطاعته، وباينوا الطائفتين من الجن والنسناس اللّذين عتوا عن أمر الله.
قال: فحط الله أجنحة الطائفة من الجنّ الّذين عتوا عن أمر الله وتمرّدوا، فكانوا لا يقدرون على الطّيران إلى السّماء وإلى ملاقاة الملائكة، لما ارتكبوا من الذّنوب والمعاصي قال: وكانت الطائفة المطيعة لأمر الله من الجنّ تطير إلى السّماء اللّيل والنّهار على ما كانت عليه، وكان إبليس ـ واسمه الحارث ـ يظهر للملائكة أنه من الطائفة المطيعة.
 ثم خلق الله تعالى خلقاً على خلاف خلق الملائكة، وعلى خلاف خلق الجن وعلى خلاف خلق النسّناس، يدبّون كما يدبّ الهوام في الأرض، يشربون ويأكلون كما تأكل الأنعام من مراعي الأرض، كلّهم ذكران ليس فيهم أناث، ولم يجعل الله فيهم شهوة النّساء، ولا حبّ الأولاد، ولا الحرص، ولا طول الأمل، ولا لذّة عيش، لا يلبسهم اللّيل، ولا يغشاهم النّهار، وليسوا ببهائم ولا هوام ولباسهم ورق الشجر، وشربهم من العيون الغزار والأودية الكبار.
 ثم أراد الله يفرقهم فرقتين؛ فجعل فرقة خلف مطلع الشّمس من وراء البحر، فكوّن لهم مدينة أنشأها لهم تسمّى « جابرسا »، طولها اثنا عشر ألف فرسخ في اثني عشر ألف فرسخ، وكوّن عليها سوراً من حديد يقطع الأرض إلى السّماء، ثمّ أسكنهم فيها، وأسكن الفرقة الأخرى خلف مغرب الشمس من وراء البحر ، وذول[22] (وبنقل المجلسي: فكوّن)[23] لهم مدينة أنشأها تسمّى « جابلقا »، طولها اثنا عشر ألف فرسخ في اثني عشر ألف فرسخ، وكوّن لهم سوراً من حديد يقطع إلى السماء، فأسكن الفرقة الأخرى فيها، لا يعلم أهل جابرسا بموضع أهل جابلقا، ولا يعلم أهل جابلقا بموضع أهل جابرسا، ولا يعلم بهم أهل أوساط الأرض من الجنّ والنّسناس، وكانت الشّمس تطلع على أهل أوساط الأرض من الجنّ والنّسناس، فينتفعون بحرّها ويستضيئون بنورها، ثمّ تغرب في عين حمئة، فلا يعلم بها أهل جابلقا إذا غربت، ولا يعلم بها أهل جابرسا إذا طلعت، لأنّها تطلع من دون جابرسا، وتغرب من دون جابلقا.
 فقيل: يا أمير المؤمنين؛ فكيف يبصرون ويحيون؟ وكيف يأكلون ويشربون؟ وليس تطلع الشّمس عليهم؟ فقال (عليه السلام): إنّهم يستضيئون بنور الله، فهم في أشدّ ضوء من نور الشّمس، ولا يرون أن الله تعالى خلق شمساً ولا قمراً ولا نجوماً ولا كواكب، ولا يعرفون شيئاً غيره فقيل يا أمير المؤمنين : فأين إبليس عنهم؟
قال: لا يعرفون إبليس ولا سمعوا بذكره، لا يعرفون إلاّ الله وحده لا شريك له، لم يكتسب أحد منهم قطّ خطيئة ولم يقترف اثماً، لا يسقمون ولا يهرمون ولا يموتون، يعبدون الله إلى يوم القيامة لا يفترون، الليل والنهار عندهم سواء.
قال: إنّ الله أحبّ أن يخلق خلقاً، وذلك بعد ما مضى من الجن والنّسناس سبعة آلاف سنة، فلمّا كان من خلق[24] الله أن يخلق آدم، للّذي أراد من التّدبير والتّقدير، فيما هو مكوّنه من السماوات والأرضين، كشف عن أطباق السّماوات، ثم قال الملائكة: انظروا إلى أهل الأرض من خلقي من الجنّ والنّسناس، هل ترضون أعمالهم وطاعتهم لي؟ فاطلعت الملائكة، ورأوا ما يعملون فيها، من المعاصي وسفك الدّماء والفساد في الأرض بغير الحقّ، أعظموا ذلك وغضبوا لله، وأسفوا على أهل الأرض، ولم يملكوا غضبهم وقالوا: ربّنا أنت العزيز الجبّار الظّاهر العظيم الشّأن، وهؤلاء كلّهم خلقك الضعيف الذليل في أرضك، كلّهم ينقلبون في قبضتك، ويعيشون برزقك، ويتمتّعون بعافيتك، وهم يعصونك بمثل هذه الذّنوب العظام، لا تغضب ولا تنتقم منهم لنفسك بما تسمع منهم وترى، وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه فيك.
قال: فلمّا سمع الله تعالى مقالة الملائكة قال: إنّي جاعل في الأرض خليفة، فيكون حجّتي على خلقي في الأرض، فقالت الملائكة: سبحانك ربّنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك؟
فقال الله تعالى: يا ملائكتي إني أعلم ما لا تعلمون، إنّي أخلق خلقاً بيدي، أجعلهم خلفائي على خلقي في أرضي، ينهونهم عن معصيتي، وينذرونهم ويهدونهم إلى طاعتي، ويسلكون بهم طريق سبيلي، أجعلهم حجّة لي عذراً ونذراً، وأنفي الشّياطين من أرضي وأطهّرها منهم، فأسكنهم في الهواء من أقطار الأرض وفي الفيافي، فلا يراهم خلق، ولا يرون شخصهم، ولا يجالسونهم، ولا يخالطونهم، ولا يؤاكلونهم ، ولا يشاربونهم، وأنفرّ مردة الجنّ العصاة عن نسل بريّتي وخلقي وخيرتي، فلا يجاورون خلقي، وأجعل بين خلقي وبين الجانّ حجاباً، فلا يرى خلقي شخص الجنّ، ولا يجالسونهم، ولا يشاربونهم، ولا يتهجّمون تهجّمهم، ومن عصاني من نسل خلقي الّذي عظّمته واصطفيته لغيبي أسكنهم مساكن العصاة وأوردهم موردهم ولا أبالي فقالت الملائكة: لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم، فقال للملائكة: إني خالق بشراً من صلصال من حمإٍ مسنون، فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.
قال: وكان ذلك من الله تقدمة للملائكة قبل أن يخلقه احتجاجاً منه عليهم، وما كان الله ليغيّر ما بقوم إلاّ بعد الحجّة عذراً أو نذراً، فأمر تبارك وتعالى ملكاً من الملائكة ، فاغترف غرفة بيمينه، فصلصلها في كفّه فجمدت، فقال الله عزّ وجلّ: منك أخلق[25].


سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

__________
[1] (البقرة: 30).
[2] (آل عمران: 33).
[3] (ق: 15).
[4] التوحيد: ص277.
[5] (بحار الأنوار: ج11  ص104).
[6] (الذاريات: 56).
[7] (ص: 71 و72).
[8] (الأعراف: 12..
[9]  الأعراف: 26.
[10] (الأعراف: 27)
[11] (الأعراف: 172).
[12] (الإسراء: 70).
[13] (الحجرات: 13).
[14] (القيامة: 36 - 39).
[15] (الحجرات: 13).
[16] (الروم: 22).
[17] بحار الأنوار: ج11  ص102.
[18] الرعد: 4.
[19] سورية في العصور القديمة، من الموسوعة العربية، سلطان محيسن.
[20]  المصدر نفسه.
[21] شعائر الموت ومعتقداته في المشرق العربي القديم، بشار خليف. 
[22]  لعلها: ودوّل، بالدال المعربة غير المنقوطة.
[23] انظر: بحار الأنوار، للعلامة المجلسي: ج54 ص323).
[24]  في بعض النسخ المطبوعة: فلما كان من شأن الله.
[25] (قصص الأنبياء، لقطب الدين الراوندي: ص35- 48).

آدم عليه السلام أبو البشر جميعاً!


السؤال: هل آدم النبي عليه السلام هو أبو البشر جميعهم؟ أم هو أبو قوم خاصين منهم؟ وكما يقول بعض الخطباء المعروفين: إنه أبو البشر في منطقتنا، ولكل منطقة آدم خاص بهم؟  وقال: إن هذا ما يدل عليه تاريخ التراب الذي هو أصدق وأدق من تاريخ الكتاب، فالأول تاريخ خال من التزوير والتزييف، لا يعرف التحريف ولا الرشاوى والمحسوبيات التي تدفع لكتابه، فيدونوه كيفما يشاء الأقوياء والمتسلطون. وبخاصة وأن بعض الحفريات تثبت العثور على أجساد متحجرة لبشر عاشوا فوق الأرض قبل مليوني سنة، أو مليون وخمسمائة ألف عام، بينما هذا الذي تذكره الأحاديث وقصص الأنبياء لا يكاد يتجاوز الخمسة عشر الف عام فقط، فأين هذا من هذا؟ وماذا نفعل مع هذه الأحافير؟
 
الجواب: مفاد النصوص الشرعية من الكتاب المجيد والأحاديث الشريفة على أن آدم النبي عليه السلام هو أبو البشر، وهي بذلك ترفض النظرية الداروينية، التي تبتني على رجوع أصل الانسان إلى القرد، أو أن الانسان مع القرد فصيلتان اثنتان متطورتان في أصلهما عن أصل واحد!.
وهذا الكلام المذكور في متن السؤال مرفوض لعدم خلوه من النقاش من عدة جهات:
 
تاريخ التراب وتاريخ الكتاب
فهو أولاً: بنى رأيه على مجرد تكهنات، وإن سميت بتاريخ التراب، ففي عهد قريب من الأعوام قالوا بتقديراتهم الجيولوجية هذه، وبحساباتهم المأخوذة من العمر الإشعاعي للأرض، وقياسات الرصاص في اليورانيوم والمعادن الغنية: إن عمر الأرض في حدود مليارين إلى ثلاثة مليارات سنة، وإذا بهم اليوم بعد ما لا يزيد عن عشرين أو ثلاثين سنة يقولون: إن عمرها يقرب من خمسة مليارات سنة ( 4.54 مليار سنة حسب موسوعة الويكيبديا الألكترونية). ولا نقاش في أن حساباتهم اليوم تأخذ بعين الاعتبارات موازين أكثر دقة من ذي قبل، ولكن كيف يمكن للعاقل أن يطمئن إلى الأرقام التي يقولون بها مع أنها قابلة للتغير، وبهذا الفرق الفاحش والمدهش؟!
ولا شك أن تقدير عمر الأرض يختلف عن تقدير عمر سكانها، ولكن الاختلاف في النتائج التقريبية، موجود في كلا الحسابين. وفي مثل هذه الحالة، هل نقدّم النظرة الترابية كما يقول هذا البعض؟ أم النظرة الكتابية؟ خصوصاً مع الأخذ بالاعتبار مجموعة من المرجحات العقلائية، من قبيل: النصوص الوحيانية التي يمكن القبول بها ولو بحدودها الإجمالية، بلحاظ توفر القرائن على عدم حصول التواطؤ فيها على الكذب أو التزييف، ولا سيما مع المداقة المفيدة للاطمئنان في علم الدراية، في أخبار العقيدة والأحكام.
فنحن نتساءل: هل أن كلام الله اليقيني، وهو الخالق والشاهد الحاضر الصادق، وهو يقص علينا قصة خلق الانسان الأول، والمعضود بتوضيح الأخبار المسندة بثقات الرواة المشهود لهم بالصدق أوثق وأولى بالقبول والاتباع، أم بأحافير لا يجزم فيها زعماؤها إلا بتخمينات وحدوس قد تصيب وقد تخطئ؟ ثم إن احتمال التزييف في الاثنين - إذا أبينا – موجود في الحالتين، وهو في الترابي لا يقل عن الكتابي، إن لم يزد عليه، وكم قرأنا أخباراً عن آثار كشفوها في بلاد وبنوا عليها أقوالهم وتقديراتهم، ثم إذا بها بعد مدة ينكشف أنها لم تكن واقعية، بل مزورة منحولة، بغرض المتاجرة بتاريخ هذا البلد ونكاية ببلد آخر، أو بغرض التجارة المادية البحتة.
 
نظرية الأسلاف تواجه معضلات عقدية كبيرة:

وثانياً: إننا لو تنزلنا وقبلنا هذه النظرية المزعومة، فإننا سنواجه مشكلات عقدية عويصة وعديدة عقلية ونقلية لا حل لها، بخلاف ما لو قلنا بالنظرة الوحيانية المنطلقة من متون الشريعة، والمؤيدة بشهادات الشرائع الأخرى السماوية - مع القطع بعدم التواطؤ -.
 ومن تلك المشاكل العقدية: أن الهدف من الخلقة أصلاً كما تظهره الآيات والروايات المستفيضة بل المتواترة إنما هو عبادة الله وتوحيده، وخلافة الله في أرضه من قبل الإنسان، وعدم خلو الأرض من حجة على البشر، لكيلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وأن الأرض لو خلت من الحجة لساخت بمن عليها، وأن النبي وآله معصومون طاهرون مطهرون، تنقلوا من أصلاب طاهرة إلى أرحام مطهرة، لم تنجسهم الجاهلية بأنجاسها، ولن تلبسهم من مدلهمات ثيابها، وغير ذلك من الحقائق الدينية الثابتة التي لا يمكن الجمع بينها وبين هذه النظرية.
أما نظرية أسلاف آدم فتفترض أنهم كانوا يعيشون حياة بدائية، تحكمها الفوضى والظلم وسفك الدماء.
 
أدلة القائلين بأسلاف آدم عليه السلام:

وأهم ما يذكره أصحاب هذا القول غير انبهارهم بما يسمى بالكشوف الأثرية والعلمية، هو: بعض النصوص القرآنية أو الروائية التي يتخيلون دلالتها على مذهبهم، من قبيل قول الملائكة لرب العزة: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟!"[1]، وقوله تعالى: "إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين"[2]، بناء على أن المراد من اصطفاء آدم بمعنى انتقائه من بين البشر الذين كانوا يعيشون في عصره أو قبله.
ومن الروايات استدلوا بمثل ما رواه الصدوق في (التوحيد): بسنده عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله عز وجل: " أََفعَيينَا بالخَلق الأَوَّل بَل هم في لَبس من خَلق جَديد"[3]، قال: يا جابر تأويل ذلك أن الله - عز وجل - إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم، وسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، جدد الله عالماً غير هذا العالم، وجدد خلقاً من غير فحولة ولا إناث، يعبدونه ويوحدونه، وخلق لهم أرضاً غير هذه الأرض تحملهم، وسماء غير هذه السماء تظلهم، لعلك ترى أن الله إنما خلق هذا العالم الواحد وترى أن الله لم يخلق بشراً غيركم، بل والله لقد خلق الله ألف ألف عالم، وألف ألف آدم، أنت في آخر تلك العوالم)"[4]. بتقريب: أن الإمام عليه السلام أولاً: صرح بكونهم ألف ألف آدم، فهو إذن ليس واحداً، فلا يمكن القول: إن البشر اليوم كلهم من نسل آدم الشخص، بل كلهم آدميون، وثانياً: صرح كذلك ببشريتهم، وثالثاً: جعل البشر اليوم في آخر القائمة!
كما يتصور بعضهم بوجود شبهة عويصة بناء على النظرية الوحيانية، في استمرار النسل من آدم مع حواء فقط، إذ كيف استمر النسل، هل تزوج أبناء آدم ببناته؟ وأنه لا يمكن حل هذه المعضلة إلا بوجود أوادم متعددين، ثم يؤيدون ما ذهبوا إليه بوجود التنوع اللغوي والإثني لدى البشر، حيث السود والبيض والصفر والحمر والسمر، وذوي العيون الزرقاء والسوداء والبنية، وما أشبه ذلك، الذي لا يمكن بزعمهم أن يرجع إلى رجل واحد ذي ملامح وجينات واحدة حسب قانون الوراثة الجيني.
 
مناقشة الأدلة المذكورة:
لكنها حجج ضعيفة لا تقف أمام النقد الجاد، ونحن نشير إلى مواقع الإشكال فيها بشكل مختصر:
 
سفكة الدماء هم قوم النسناس
فأما الذين نسب إليهم سفك الدماء فقد أشارت النصوص المعصومية إليهم بأنهم قوم غير البشر، وأنهم يدعون النسناس[5]، ولا علاقة لهم من قريب أو بعيد بالبشر، نعم ربما يقال بأنهم أرضيون، وقد احتمل البعض كونهم من الجن، وهو لا يخلو من النقاش والتأمل الواضح أيضاً، لأن الله تبارك وتعالى قد صرح في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بقوله: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"[6]، فالكلام الذي قلناه عن الحجة والهدف من الخلق يأتي أيضاً بحق الجن، سواء بسواء.
 
معنى اصطفاء آدم:

وأما اصطفاء آدم من بين من عاصره أو سبقه، فهو مجرد تخرص وتحكم لا تدل عليه الآيات، بل القرآن صريح وقاطع بأن آدم (عليه السلام) كان وحيداً مع زوجه في الجنة، فلم يكن له مثيل ولا شبيه قبل مجيء ذريته، والقرآن يفسر بعضه بعضاً؛ قال تعالى: " إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين"[7]، ولا معنى لاعتراض الملائكة ولا لاستفسارهم عن الحكمة في خلقه، إلا بعد الإذعان بأنه خلق جديد، ولم يأت بالتكاثر أو التناسل ممن سبقه، لأن المفروض هو استمرار الأجناس السابقة، بواسطة التكاثر الجنسي، فما معنى الحديث عن خلق جديد، وبصفات جديدة.
 ثم يوضح الله سبحانه أن هذا البشر هو آدم الذي سجدت له الملائكة إلا إبليس أبى واستكبر، وقال "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"[8]. ثم يقص علينا قصة أول بشر مع زوجه، وكيف كانا وحيدين في الجنة، ثم خرجا منها.. وهكذا يذكرنا بين الفينة والأخرى بأننا كلنا أبناؤه وذريته ؛ فيقول رب العزة جل وعلا: " يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا"[9].
 ومعلوم أن الخطاب موجه لكل البشر، ولو كان لغير بني آدم وجود لاستثنى وخصص، مع أننا نراه سبحانه دائماً ما يؤكد هذه البنوة من كل البشر لآدم، فيقول سبحانه: " يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا"[10]، وقال: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ"[11]. والتعميم فيها لكل البشر واضح لا لبس فيه. ومثلها في التعميم قوله سبحانه: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا "[12].
 
خلق الله ألف ألف عالم وألف ألف آدم:

وأما الكلام عن الحديث المروي عن الإمام الباقر عليه السلام، فمع تسليمه لا يدل على مزاعم القوم، ذلك لأن الإمام عليه السلام بصدد ذكر فياضية الله جل وعلا، وأنه لا يقتصر خلاقيته على خلقنا نحن البشر فقط، بل خلاقيته مستمرة وقديمة، فقبلنا خلق خلقاً غيرنا، ولسوف يخلق خلقاً كذلك بعدنا مهما شاء. لكن هل هؤلاء الخلق هم الخلق الذين كانوا على هذه الأرض وينتمي إليهم النبي آدم عليه السلام، أم هم قوم آخرون؟ وقد يكونون على كواكب سماوية أخرى غير هذا الكوكب، وقد يكونون على هذا الكوكب، ولكنهم خلق آخر غير هذا البشر، ألا تراه عليه السلام يصرح بأنهم من غير فحولة ولا إناث، يعني مختلفين عنا تمام الاختلاف، مع أن الله سبحانه يقول: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل"[13]، ويقول: "أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى . أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى"[14].
ثم ألا تراه وهو يقول: " إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم وسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار جدد الله عالماً غير هذا العالم وجدد خلقاً"، فهو خلق آخر في نشأة أخرى، لا ينتمي أحدها للآخر. وبذلك يتضح الكلام بالنسبة إلى لقب البشرية والآدمية، فإنما أراد عليه السلام أن يقول: إنهم خلق مكلف بعبادة الله ومعرفته، وبالتالي كيف كان يمكن له أن يعبر؟ بماذا يسميه لجابر حتى يعرفه؟ أتراه يعقل أو يستوعب لو نعته بوصف خارج تصوره وإدراكه، إن الحكمة تقتضي أن يكلم المرء الناس بما يفهمون ويعرفون، ولكنه في الوقت نفسه بذكره الفوارق الأساسية قد بين أنهم ليسوا بشراً، ولا آدميين منتمين لهذا الآدم، ولا هو منتم لهم، وإلا لكانوا من نفس عالمه، لا عوالم أخرى، كما هو واضح للفطن اللبيب.
 
كيف تكاثر أبناء آدم؟

وأما شبهة استمرار نسل آدم عليه السلام وانتشاره فالأمر فيها سهل، وقد حسم أهل البيت عليهم السلام الأمر فيه، بقولهم أن الله أنزل لكل ولد من أولاد آدم زوجة يستولدها، بل حتى لو قلنا ببعض الروايات الأخرى التي تقول بزواج أبنائه من بناته، فالمشكلة أيضا تنحل معها، وإن كنا نصرّ على الاعتقاد بما أصر عليه أهل البيت المعصومين عليهم الصلاة والسلام. ثم إن المعضلة مع الإذعان بأنها معضلة واردة على نظرية أسلاف آدم أيضاً، حيث نسحب السؤال مرة أخرى إلى أول مخلوق خلقه الله سبحانه، ونقول: كيف استمر النسل منه، وهل أنه تم بتزاوج أولاده وبناته، أم مع جنس آخر؟!
 
كيف يرجع كل التنوع الإثني إلى شخص واحد؟!
وأما التنوع الإثني واللغوي فليت شعري أين المشكلة فيه مع ما نرى بأم أعيننا اليوم بزوال بعض اللغات وولادة غيرها، وتناسل بعضها من بعض. وإن اللغات العالمية اليوم ترجع في عمودها الفقري إلى لغات أمٍّ أصلية، كشجرة اللغات السامية التي تشمل السريانية والآرامية والعربية والعبرانية والسينائية واللحيانية وغيرها، وشجرة اللغات الهندوأوروبية التي تشمل السنسكريتية، والفارسية والبهلوية والدرية والجرمانية والإنجليزية والفرنسية غيرها. وهكذا سائر الأشجار اللغوية الأخرى.
 سواء قلنا بالنظرية الدينية التي تُرجع كل اللغات إلى اللغة السريانية لغة النبي نوح عليه السلام، الذي انقسم الناس من بعده إلى عدة أقوام رئيسيين، هم الساميون والحاميون واليافثيون، ثم انقسم كل منهم فيما بعد إلى أقوام ولغات متعددة. ويشهد له انقسام الإبراهيميين إلى العدنايين العرب واليعقوبيين العبرانيين، مع أنهم أبناء أب واحد قريب.
 أو قلنا بالنظرية الوضعية، التي تختلف معها في بعض التفاصيل والتقسيمات، ولكن على التقديرين فإن اللغات ترجع في أصولها إلى مجموعات أصغر، ثم أصغر، إلى أن تتوحد في لغة واحدة.
 ومما يؤيد هذا الأمر ما اشتهر من اشتراك عالمي في بعض الألفاظ أو بعض الدلالات المعنوية لبعض الحروف. وكل ذلك يتأيد بقوله تعالى في محكم كتابه الكريم: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"[15]، وقوله عز من قائل: " وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ"[16].
وكذلك رجوع الاختلاف العرقي واللوني إلى شخص واحد، فإنه غير مشكل. وها نحن نرى مثيلاتها في التفاوت النباتي والحيواني، مع أنها بالنتيجة لا بد وأن ترجع إلى مخلوق واحد. وقد ورد في الأحاديث إشارة إلى ذلك، في سبب تسمية آدم كالخبر المروي في البحار؛ قال: أتى أمير المؤمنين يهودي فقال: لم سمي آدم آدم، وحواء حواء ؟ قال: إنما سمي آدم آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وذلك أن الله تبارك وتعالى بعث جبرئيل عليه السلام وأمره أن يأتيه من أديم الأرض بأربع طينات: طينة بيضاء وطينة حمراء، وطينة غبراء، وطينة سوداء، وذلك من سهلها و حزنها.
ثم أمره أن يأتيه بأربع[ـة] مياه: ماء عذب، وماء ملح، وماء مر، وماء منتن، ثم أمره أن يفرغ الماء في الطين، وأدمه الله بيده فلم يفضل شيء من الطين يحتاج إلى الماء، ولا من الماء شيء يحتاج إلى الطين، فجعل الماء العذب في حلقه، وجعل الماء المالح في عينيه، و جعل الماء المر في أذنيه، وجعل الماء المنتن في أنفه، وإنما سميت حواء حواء لأنها خلقت من الحيوان[17].
 ثم إن لاختلاف الأرض والجو والماء وتفاعل البشر في مسيرة حياتهم الطويلة بمفردات الطبيعة أثراً على جيناتهم ومورثاتهم، فلتكن هي من أسباب ذلك التنوع. وما أجمل قوله تعالى: "فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"[18]!.
 
آدم عليه السلام واحد لكل الأرض
وثالثاً: أن القول بأن لكل منطقة آدماً مثير للدهشة حقّاً، ولا يحتاج لتكلف عناء الرد عليه، ولا سيما وأنه يفترض أن منطقتنا، التي هي مركز العالم، ومركز النبوات، ومهد الحضارات البشرية، تقع في آخر مناطق العالم من حيث الترتيب الآدمي، فآدمنا لم يمض عليه أكثر من خمسة عشر ألف عام، بينما آدم بكين وجاوة وجنوب أفريقيا وغيرهم قد مرّ عليه ما لا يقل عن مليون عام.
سورية في العصور القديمة، من الموسوعة العربية، سلطان محيسن
أضف إلى أن هذا الكلام لا يتم حتى لو تمشينا مع هذه النظرية، فإن أصحابها يقولون: إن المنطقة شهدت إنسان نياندرتال في العراق وفلسطين وهو ما يرجعونه إلى ما بين مائة ألف وخمسين ألفاً أو خمسة وثلاثين ألف سنة قبل التاريخ[19]. بل وذكرت بعض الكشوفات العثور على إنسان بكين في بعض مناطق العراق ومصر وفي ألمانيا القريبة نسبياً منا[20]، بل واكتشفوا بعض الأجساد التي ترجع إلى ثلاثة ملايين ونصف إلى أربعة ملايين سنة في أريتريا[21]! وبعد هذا كيف يمكن القول إن لكل منطقة آدماً؟!
إن أصحاب النظرية أنفسهم لا يدعون ذلك بل يقولون: إن الأجناس التي سبقت البشر مروا بمراحل من التطور والتكامل لا يصح إطلاق اسم الانسان عليها، فيسمونه تارة الإنسان القرد، والغوريلا، وذلك قبل الإنسان العاقل. وأين هذا الكلام من القول إن آدم وهو الإنسان الأول العاقل السوي، لم يكن أبا جميع البشر العقلاء الحاليين. أما أصل التشابه، ووجود أجناس تشبه الجنس البشري فلا دليل على نفيها في المصادر الوحيانية.
النسناس سبق بني آدم فوق الأرض
 
بل يمكن تأييدها ببعض الشواهد، كمسألة الوحدة في النظام، والتشابه البين بين خلق كل المخلوقات الحية، في مراحل ولادتها ونموها، حتى النباتات، فضلاً عن الأسماك، وسائر الحيوانات، كما يشهد لها أيضاً بعض الروايات، مثل الخبر الذي نقله القطب الراوندي في كتابه قصص الأنبياء، ونحن نورده بكامله، لما له من الفوائد الجمة، وما يقدمه من إضاءات في هذا المجال، وإن كنا لا نقول به بتفاصيله، فهو مجال بنفسه يحتاج إلى البحث والتحقيق.
قال في  (الباب الأول ) تحت عنوان: ( ذكر خلق آدم وحواء عليهما السلام ) ما نصه:
 أخبرني الشّيخ عليّ بن عليّ بن عبد الصّمد النّيسابوري، عن أبيه، أخبرنا السّيد أبو البركات عليّ بن الحسين الجوزي، أخبرنا الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، أخبرنا أبي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قالا: أخبرنا سعد بن عبد الله أخبرنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، أخبرنا الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السلام)؛ هل كان في الأرض خلق من خلق الله تعالى يعبدون الله قبل آدم - عليه السلام - وذرّيته ؟
فقال: نعم قد كان في السّماوات والأرض خلق من خلق الله يقدّسون الله، ويسبّحونه، ويعظّمونه باللّيل والنّهار لا يفترون، وأنّ الله عزّ وجلّ لمّا خلق الأرضين خلقها قبل السّماوات، ثم خلق الملائكة روحانيّين لهم أجنحة يطيرون بها حيث يشاء الله، فأسكنهم فيما بين أطباق السّماوات يقدّسونه في اللّيل والنّهار، واصطفى منهم إسرافيل وميكائيل وجبرائيل، ثم خلق عزّ وجّل في الأرض الجنّ روحانيين لهم أجنحة، فخلقهم دون خلق الملائكة، وخفضهم أن يبلغوا مبلغ الملائكة في الطيران وغير ذلك، فأسكنهم فيما بين أطباق الأرضين السّبع وفوقهنّ يقدّسون الله اللّيل والنّهار لا يفترون، ثم خلق خلقاً دونهم، لهم أبدان وأرواح بغير أجنحة، يأكلون ويشربون، نسناس أشباه خلقهم وليسوا بإنس، وأسكنهم أوساط الأرض على ظهر الأرض، مع الجن، يقدّسون الله اللّيل والنّهار لا يفترون.
 قال: وكان الجن تطير في السّماء، فتلقى الملائكة في السّماوات، فيسلمون عليهم ويزورونهم ويستريحون إليهم ويتعلّمون منهم الخير. ثمّ أنّ طائفة من الجن والنّسناس الّذين خلقهم الله وأسكنهم أوساط الأرض مع الجن، تمرّدوا وعتوا عن أمر الله، فمرحوا وبغوا في الأرض بغير الحقّ، وعلا بعضهم على بعض في العتوّ على الله تعالى، حتّى سفكوا الدماء فيما بينهم، وأظهروا الفساد، وجحدوا ربوبيّة الله تعالى.
قال: وأقامت الطائفة المطيعون من الجن على رضوان الله تعالى وطاعته، وباينوا الطائفتين من الجن والنسناس اللّذين عتوا عن أمر الله.
قال: فحط الله أجنحة الطائفة من الجنّ الّذين عتوا عن أمر الله وتمرّدوا، فكانوا لا يقدرون على الطّيران إلى السّماء وإلى ملاقاة الملائكة، لما ارتكبوا من الذّنوب والمعاصي قال: وكانت الطائفة المطيعة لأمر الله من الجنّ تطير إلى السّماء اللّيل والنّهار على ما كانت عليه، وكان إبليس ـ واسمه الحارث ـ يظهر للملائكة أنه من الطائفة المطيعة.
 ثم خلق الله تعالى خلقاً على خلاف خلق الملائكة، وعلى خلاف خلق الجن وعلى خلاف خلق النسّناس، يدبّون كما يدبّ الهوام في الأرض، يشربون ويأكلون كما تأكل الأنعام من مراعي الأرض، كلّهم ذكران ليس فيهم أناث، ولم يجعل الله فيهم شهوة النّساء، ولا حبّ الأولاد، ولا الحرص، ولا طول الأمل، ولا لذّة عيش، لا يلبسهم اللّيل، ولا يغشاهم النّهار، وليسوا ببهائم ولا هوام ولباسهم ورق الشجر، وشربهم من العيون الغزار والأودية الكبار.
 ثم أراد الله يفرقهم فرقتين؛ فجعل فرقة خلف مطلع الشّمس من وراء البحر، فكوّن لهم مدينة أنشأها لهم تسمّى « جابرسا »، طولها اثنا عشر ألف فرسخ في اثني عشر ألف فرسخ، وكوّن عليها سوراً من حديد يقطع الأرض إلى السّماء، ثمّ أسكنهم فيها، وأسكن الفرقة الأخرى خلف مغرب الشمس من وراء البحر ، وذول[22] (وبنقل المجلسي: فكوّن)[23] لهم مدينة أنشأها تسمّى « جابلقا »، طولها اثنا عشر ألف فرسخ في اثني عشر ألف فرسخ، وكوّن لهم سوراً من حديد يقطع إلى السماء، فأسكن الفرقة الأخرى فيها، لا يعلم أهل جابرسا بموضع أهل جابلقا، ولا يعلم أهل جابلقا بموضع أهل جابرسا، ولا يعلم بهم أهل أوساط الأرض من الجنّ والنّسناس، وكانت الشّمس تطلع على أهل أوساط الأرض من الجنّ والنّسناس، فينتفعون بحرّها ويستضيئون بنورها، ثمّ تغرب في عين حمئة، فلا يعلم بها أهل جابلقا إذا غربت، ولا يعلم بها أهل جابرسا إذا طلعت، لأنّها تطلع من دون جابرسا، وتغرب من دون جابلقا.
 فقيل: يا أمير المؤمنين؛ فكيف يبصرون ويحيون؟ وكيف يأكلون ويشربون؟ وليس تطلع الشّمس عليهم؟ فقال (عليه السلام): إنّهم يستضيئون بنور الله، فهم في أشدّ ضوء من نور الشّمس، ولا يرون أن الله تعالى خلق شمساً ولا قمراً ولا نجوماً ولا كواكب، ولا يعرفون شيئاً غيره فقيل يا أمير المؤمنين : فأين إبليس عنهم؟
قال: لا يعرفون إبليس ولا سمعوا بذكره، لا يعرفون إلاّ الله وحده لا شريك له، لم يكتسب أحد منهم قطّ خطيئة ولم يقترف اثماً، لا يسقمون ولا يهرمون ولا يموتون، يعبدون الله إلى يوم القيامة لا يفترون، الليل والنهار عندهم سواء.
قال: إنّ الله أحبّ أن يخلق خلقاً، وذلك بعد ما مضى من الجن والنّسناس سبعة آلاف سنة، فلمّا كان من خلق[24] الله أن يخلق آدم، للّذي أراد من التّدبير والتّقدير، فيما هو مكوّنه من السماوات والأرضين، كشف عن أطباق السّماوات، ثم قال الملائكة: انظروا إلى أهل الأرض من خلقي من الجنّ والنّسناس، هل ترضون أعمالهم وطاعتهم لي؟ فاطلعت الملائكة، ورأوا ما يعملون فيها، من المعاصي وسفك الدّماء والفساد في الأرض بغير الحقّ، أعظموا ذلك وغضبوا لله، وأسفوا على أهل الأرض، ولم يملكوا غضبهم وقالوا: ربّنا أنت العزيز الجبّار الظّاهر العظيم الشّأن، وهؤلاء كلّهم خلقك الضعيف الذليل في أرضك، كلّهم ينقلبون في قبضتك، ويعيشون برزقك، ويتمتّعون بعافيتك، وهم يعصونك بمثل هذه الذّنوب العظام، لا تغضب ولا تنتقم منهم لنفسك بما تسمع منهم وترى، وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه فيك.
قال: فلمّا سمع الله تعالى مقالة الملائكة قال: إنّي جاعل في الأرض خليفة، فيكون حجّتي على خلقي في الأرض، فقالت الملائكة: سبحانك ربّنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك؟
فقال الله تعالى: يا ملائكتي إني أعلم ما لا تعلمون، إنّي أخلق خلقاً بيدي، أجعلهم خلفائي على خلقي في أرضي، ينهونهم عن معصيتي، وينذرونهم ويهدونهم إلى طاعتي، ويسلكون بهم طريق سبيلي، أجعلهم حجّة لي عذراً ونذراً، وأنفي الشّياطين من أرضي وأطهّرها منهم، فأسكنهم في الهواء من أقطار الأرض وفي الفيافي، فلا يراهم خلق، ولا يرون شخصهم، ولا يجالسونهم، ولا يخالطونهم، ولا يؤاكلونهم ، ولا يشاربونهم، وأنفرّ مردة الجنّ العصاة عن نسل بريّتي وخلقي وخيرتي، فلا يجاورون خلقي، وأجعل بين خلقي وبين الجانّ حجاباً، فلا يرى خلقي شخص الجنّ، ولا يجالسونهم، ولا يشاربونهم، ولا يتهجّمون تهجّمهم، ومن عصاني من نسل خلقي الّذي عظّمته واصطفيته لغيبي أسكنهم مساكن العصاة وأوردهم موردهم ولا أبالي فقالت الملائكة: لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم، فقال للملائكة: إني خالق بشراً من صلصال من حمإٍ مسنون، فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.
قال: وكان ذلك من الله تقدمة للملائكة قبل أن يخلقه احتجاجاً منه عليهم، وما كان الله ليغيّر ما بقوم إلاّ بعد الحجّة عذراً أو نذراً، فأمر تبارك وتعالى ملكاً من الملائكة ، فاغترف غرفة بيمينه، فصلصلها في كفّه فجمدت، فقال الله عزّ وجلّ: منك أخلق[25].


سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

__________
[1] (البقرة: 30).
[2] (آل عمران: 33).
[3] (ق: 15).
[4] التوحيد: ص277.
[5] (بحار الأنوار: ج11  ص104).
[6] (الذاريات: 56).
[7] (ص: 71 و72).
[8] (الأعراف: 12..
[9]  الأعراف: 26.
[10] (الأعراف: 27)
[11] (الأعراف: 172).
[12] (الإسراء: 70).
[13] (الحجرات: 13).
[14] (القيامة: 36 - 39).
[15] (الحجرات: 13).
[16] (الروم: 22).
[17] بحار الأنوار: ج11  ص102.
[18] الرعد: 4.
[19] سورية في العصور القديمة، من الموسوعة العربية، سلطان محيسن.
[20]  المصدر نفسه.
[21] شعائر الموت ومعتقداته في المشرق العربي القديم، بشار خليف. 
[22]  لعلها: ودوّل، بالدال المعربة غير المنقوطة.
[23] انظر: بحار الأنوار، للعلامة المجلسي: ج54 ص323).
[24]  في بعض النسخ المطبوعة: فلما كان من شأن الله.
[25] (قصص الأنبياء، لقطب الدين الراوندي: ص35- 48).

من طرف طريق الفضيلة  |  نشر في :  8:32 م

الجمعة، 28 نوفمبر 2014


السؤال: ما تقولون في عصيان بعض الأنبياء، وهذا منصوص عليه في القرآن والأحاديث؟ فآدم عصى ربه فغوى، ويونس ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه، وموسى وكز المصري فقضى عليه، وأيوب يمسه الشيطان بالنصب والعذاب، وغيرهم وغيرهم؟

الجواب: إن عندنا مسلمات عقلية ونقلية تكون بمثابة المنطلق لنا في قراءة أي نص من النصوص. من تلك المسلمات عدل الله وحكمته، ومنها أن عهد الله لا ينال الظالمين. ولو ركزنا النظر في الآيات التي ربما توهم ذلك التصور، لرأينا أن الله سبحانه، يمتدحهم مباشرة بعد وصفهم بالخطأ أو السهو والنسيان، وما شابه ذلك. ويمكن لك أن تراجع الآيات المتعرضة لهذه الحال، مثل معصية آدم، ودعاء نوح، وسؤال إبراهيم، وحزن يونس، واستغاثة يوسف وحيلته، ووكز موسى وغضبه وخوفه، وما إلى ذلك.
ففي قصة آدم عليه السلام نرى أن الله تبارك وتعالى يقول مباشرة في كتابه، بعد ذكر أكل آدم من الشجرة، قال عز من قائل: "وعصى آدم ربه فغوى، ثم اجتباه ربه"[1]. وقال سبحانه: "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ"[2]. إذ الاصطفاء والاجتباء لا ينسجمان مع صدور المعصية والظلم.
فلو أننا وجدنا ما يتنافى مع هذه المسلمات المرجعية لكان لا بد من تفسيره على غير ظاهره، وإن لم يمكن أعرضنا عنه، وضربنا به عرض الجدار، وإن لم نفهمه، واحتملنا له محملاً مقبولاً، ولم نتوصل إليه، وكلنا أمره إلى أهل البيت، عليهم أفضل الصلاة والسلام، ليبينوا لنا جلية الأمر فيه.
ولو سبرنا الروايات الواردة عنهم صلوات الله عليهم في المقام، ودققنا النظر فيها، وقارنّا بعضها ببعض، لرأينا أنها في معرض بيان أمر آخر أعمق وأدق مما ينسبق إلى أذهاننا.
 وهذه المسألة كثيرة الذكر في الأحاديث أيضاً، وفي مواضيع مختلفة، فنراها تقول مثلاً إن الناس جميعاً ارتدوا ما خلا أربعة أو خمسة، وفي صورة أخرى تذكر أن الولاية حين عرضت على الأنبياء لم يقر بها إلا المرسلون، وعلى الملائكة فلم يقر بها إلا المقربون، وعلى المؤمنين فلم يقر بها إلا الممتحنون[3]. وفي بعضها: " إن  أمرنا صعب مستصعب لا يقر به إلا ملك مقرب ، أو نبي مرسل ، أو عبد قد امتحن الله قلبه  للإيمان"[4].
وواضح أن هذه الألفاظ تشير إلى مراتب عالية من الولاية والتسليم، بها يتفاوت فيه السابقون، ويتفاضل المرسلون، فإذا ما ذكرت الحسد، فإنها قطعاً لا تريد الحسد المعتاد، وإذا عَرضت إلى الجحود والإنكار، فهي حتماً تقصد معنى أعمق وأرقى رتبة من هذا الذي يتلبس به الظلمة والعاصون.
فآدم على نبينا وعلى آله وعليه السلام حين أطلعه الله، جلت أسماؤه، على منزلة أهل البيت، عليهم السلام، وأذهله ما رآه فيهم من علو المقام وعظيم المكان، تمنى في نفسه أن يكون له ما لهم. وهو أمر مطلوب في نفسه، جبل الله عليه الخلق، ليتمنوا الخير، وفي ذلك فليتسابق المتسابقون.
 لكن لما كانت هذه المسألة معجونة بالانقياد التام، والتسليم المطلق لمن خلق الله الكون لأجلهم، وجعلهم الحجة على العالمين أجمعين، صار مجرد تمني مكانهم يساوق الحسد في أحد معانيه العميقة الدقيقة. حيث إنه سيكون مشوباً، ولو في الملازمات البعيدة بسلب، أهل البيت (عليهم السلام) تفردهم بذلك المقام. والله سبحانه جعل الخلق جميعاً، بما في ذلك الأنبياء والمرسلون، والملائكة المقربون، فضلاً عن سائر المؤمنين، يدينون لمحمد وآل محمد بالولاء التام، والطاعة المطلقة. وما ذلك إلا لأن الله، عز وجل، علم بكمالهم وجمالهم الذي لا يمكن لأي مخلوق أن يبلغه أو يدانيه.
 وفي الحديث عن أئمة الهدى عليهم السلام: أن آدم كان تمنى منزلة النبي صلى الله عليه وآله، لا أكثر. فقد روي عن الإمام أبي الحسن الثالث عليه السلام قال: الشجرة التي نهى آدم وزوجته أن يأكلا منها، شجرة الحسد. عهد إليهما: أن لا ينظرا إلى من فضّله الله عليه، وعلى خلايقه بعين الحسد، ولم يجد له عزماً[5].
وعن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام، في حديث طويل، قال: فلما أسكن الله عز وجل آدم وزوجته الجنة قال لهما: { كُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ـ يعني شجرة الحنطة ـ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ}[6].. فنظرا إلى منزلة محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، والأئمة عليهم السلام بعدهم، فوجداها أشرف منازل أهل الجنة، فقالا: ربنا لمن هذه المنزلة؟!
فقال الله جل جلاله: إرفعا رؤوسكما إلى ساق العرش.
فرفعا رؤوسهما، فوجدا أسماء محمد، وعلي، وفاطمة، والأئمة عليهم السلام مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الله الجبار جل جلاله، فقالا: يا ربنا، ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك، وما أحبهم إليك، وما أشرفهم لديك!!
فقال الله جل جلاله: لولاهم ما خلقتكما. هؤلاء خزنة علمي، وأمنائي على سري، إياكما أن تنظرا إليهم بعين الحسد، وتمنيا منزلتهم عندي، ومحلهم من كرامتي، فتدخلان بذلك في نهيي وعصياني، فتكونا من الظالمين..
قالا: ربنا ومن الظالمون؟!
قال: المدعون لمنزلتهم بغير حق..
إلى أن قال: يا آدم ويا حواء، لا تنظرا إلى أنواري وحججي بعين الحسد، فأهبطكما عن جواري، وأحل بكما هواني، {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا}[7].. إلى قوله: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ}.. وحملهما على تمني منزلتهم، فنظرا إليهم بعين الحسد، فخذلا حتى أكلا من شجرة الحنطة الخ[8]..
وعن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت للرضا عليه السلام، يا ابن رسول الله، أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم وحواء، ما كانت؟ فقد اختلف الناس فيها، فمنهم من يروي: أنها الحنطة. ومنهم من يروي أنها العنب، ومنهم من يروي أنها شجرة الحسد؟.
فقال عليه السلام: كل ذلك حق.
فقلت: فما معنى هذه الوجوه على اختلافها؟!
فقال عليه السلام: يا أبا الصلت، إن شجرة الجنة تحمل أنواعاً. وكانت شجرة الحنطة، وفيها عنب، وليست كشجرة الدنيا. وإن آدم لما أكرمه الله تعالى ذكره بإسجاد ملائكته له، وبإدخاله الجنة قال في نفسه: هل خلق الله بشراً أفضل مني؟
فعلم الله عز وجل ما وقع في نفسه فناداه: ارفع رأسك يا آدم، وانظر إلى ساق عرشي..
فرفع آدم رأسه، فنظر إلى ساق العرش، فوجد مكتوباً:
لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين. الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
فقال آدم: يا رب من هؤلاء؟
فقال عز وجل: هؤلاء من ذريتك، وهم خير منك، ومن جميع خلقي. ولولاهم ما خلقتك، ولا خلقت الجنة والنار، ولا السماء ولا الأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد، وتمنى منزلتهم.
فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها، فسلط على حواء لنظرها إلى فاطمة بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم، فأخرجهما الله تعالى من جنته، وأهبطهما عن جواره إلى الأرض[9].
إن اختلاف التعبير في الأحاديث، فبعضها عبر عنه بالأكل والبعض الآخر بالحسد يجعلنا نفهم أن المقصود منه أمر مغاير لظاهر الحسد المتعارف.
 ومن هنا كان آدم ممدوحاً مستحقّاً للاصطفاء والاجتباء، ولكنه مع ذلك فعل ما لم يكن ينبغي لمثله أن يصدر منه، ولذلك لم يكن من أولي العزم من الرسل.
وهذا يطل بنا على مشهد من مشاهد عظمة أهل البيت عليهم السلام، وعلو مكانهم، بحيث أن الأنبياء مهما بلغوا لا يحق لهم حتى مجرد تمني مكانهم، فضلاً عن إمكان بلوغهم لمنزلتهم السامقة. ولذلك قالت الآية: "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا "[10]، فعبرت بلفظ النسيان، الذي لا ينسجم مع حقيقة الحسد المعروف، فإن الحسد إحساس باطني غير اختياري، سواء تذكر الإنسان أم نسي. وإذا كان هذا حال نبي الله آدم عليه السلام، الذي أسجد الله له الملائكة كلهم ، فكذلك الحال بالنسبة لغيره ممن لم يحصل له مثل ذلك؟!
وهذا البيان يجري أيضاً في سائر الأحاديث الأخرى المشار إليها في متن السؤال، عن يونس وأيوب وبعض الملائكة عليهم السلام أجمعين.


سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

________
[1] (طه: 121-122).
[2] (آل عمران: 33).
[3] (بصائر الدرجات: ص 67).
[4] (بحار الأنوار، مصدر سابق: ج2 ص183 و185، ح2).
[5] ( تفسير نور الثقلين: ج3 ص402 عن تفسيري العياشي والبرهان: ج2 ص6).
[6] البقرة: 35.
[7] الأعراف: 20.
[8](نور الثقلين ج2 ص12. وراجع ج1 ص67 و68 عن معاني الأخبار وتفسير البرهان: ج1 ص82 و83).
[9] (تفسير نور الثقلين: ج1 ص60 عن عيون أخبار الرضا وتفسير البرهان: ج1 ص83 و84)).
[10] (طه: 115).



مخالفات الأنبياء لم تكن من جنس المعاصي!


السؤال: ما تقولون في عصيان بعض الأنبياء، وهذا منصوص عليه في القرآن والأحاديث؟ فآدم عصى ربه فغوى، ويونس ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه، وموسى وكز المصري فقضى عليه، وأيوب يمسه الشيطان بالنصب والعذاب، وغيرهم وغيرهم؟

الجواب: إن عندنا مسلمات عقلية ونقلية تكون بمثابة المنطلق لنا في قراءة أي نص من النصوص. من تلك المسلمات عدل الله وحكمته، ومنها أن عهد الله لا ينال الظالمين. ولو ركزنا النظر في الآيات التي ربما توهم ذلك التصور، لرأينا أن الله سبحانه، يمتدحهم مباشرة بعد وصفهم بالخطأ أو السهو والنسيان، وما شابه ذلك. ويمكن لك أن تراجع الآيات المتعرضة لهذه الحال، مثل معصية آدم، ودعاء نوح، وسؤال إبراهيم، وحزن يونس، واستغاثة يوسف وحيلته، ووكز موسى وغضبه وخوفه، وما إلى ذلك.
ففي قصة آدم عليه السلام نرى أن الله تبارك وتعالى يقول مباشرة في كتابه، بعد ذكر أكل آدم من الشجرة، قال عز من قائل: "وعصى آدم ربه فغوى، ثم اجتباه ربه"[1]. وقال سبحانه: "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ"[2]. إذ الاصطفاء والاجتباء لا ينسجمان مع صدور المعصية والظلم.
فلو أننا وجدنا ما يتنافى مع هذه المسلمات المرجعية لكان لا بد من تفسيره على غير ظاهره، وإن لم يمكن أعرضنا عنه، وضربنا به عرض الجدار، وإن لم نفهمه، واحتملنا له محملاً مقبولاً، ولم نتوصل إليه، وكلنا أمره إلى أهل البيت، عليهم أفضل الصلاة والسلام، ليبينوا لنا جلية الأمر فيه.
ولو سبرنا الروايات الواردة عنهم صلوات الله عليهم في المقام، ودققنا النظر فيها، وقارنّا بعضها ببعض، لرأينا أنها في معرض بيان أمر آخر أعمق وأدق مما ينسبق إلى أذهاننا.
 وهذه المسألة كثيرة الذكر في الأحاديث أيضاً، وفي مواضيع مختلفة، فنراها تقول مثلاً إن الناس جميعاً ارتدوا ما خلا أربعة أو خمسة، وفي صورة أخرى تذكر أن الولاية حين عرضت على الأنبياء لم يقر بها إلا المرسلون، وعلى الملائكة فلم يقر بها إلا المقربون، وعلى المؤمنين فلم يقر بها إلا الممتحنون[3]. وفي بعضها: " إن  أمرنا صعب مستصعب لا يقر به إلا ملك مقرب ، أو نبي مرسل ، أو عبد قد امتحن الله قلبه  للإيمان"[4].
وواضح أن هذه الألفاظ تشير إلى مراتب عالية من الولاية والتسليم، بها يتفاوت فيه السابقون، ويتفاضل المرسلون، فإذا ما ذكرت الحسد، فإنها قطعاً لا تريد الحسد المعتاد، وإذا عَرضت إلى الجحود والإنكار، فهي حتماً تقصد معنى أعمق وأرقى رتبة من هذا الذي يتلبس به الظلمة والعاصون.
فآدم على نبينا وعلى آله وعليه السلام حين أطلعه الله، جلت أسماؤه، على منزلة أهل البيت، عليهم السلام، وأذهله ما رآه فيهم من علو المقام وعظيم المكان، تمنى في نفسه أن يكون له ما لهم. وهو أمر مطلوب في نفسه، جبل الله عليه الخلق، ليتمنوا الخير، وفي ذلك فليتسابق المتسابقون.
 لكن لما كانت هذه المسألة معجونة بالانقياد التام، والتسليم المطلق لمن خلق الله الكون لأجلهم، وجعلهم الحجة على العالمين أجمعين، صار مجرد تمني مكانهم يساوق الحسد في أحد معانيه العميقة الدقيقة. حيث إنه سيكون مشوباً، ولو في الملازمات البعيدة بسلب، أهل البيت (عليهم السلام) تفردهم بذلك المقام. والله سبحانه جعل الخلق جميعاً، بما في ذلك الأنبياء والمرسلون، والملائكة المقربون، فضلاً عن سائر المؤمنين، يدينون لمحمد وآل محمد بالولاء التام، والطاعة المطلقة. وما ذلك إلا لأن الله، عز وجل، علم بكمالهم وجمالهم الذي لا يمكن لأي مخلوق أن يبلغه أو يدانيه.
 وفي الحديث عن أئمة الهدى عليهم السلام: أن آدم كان تمنى منزلة النبي صلى الله عليه وآله، لا أكثر. فقد روي عن الإمام أبي الحسن الثالث عليه السلام قال: الشجرة التي نهى آدم وزوجته أن يأكلا منها، شجرة الحسد. عهد إليهما: أن لا ينظرا إلى من فضّله الله عليه، وعلى خلايقه بعين الحسد، ولم يجد له عزماً[5].
وعن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام، في حديث طويل، قال: فلما أسكن الله عز وجل آدم وزوجته الجنة قال لهما: { كُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ـ يعني شجرة الحنطة ـ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ}[6].. فنظرا إلى منزلة محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، والأئمة عليهم السلام بعدهم، فوجداها أشرف منازل أهل الجنة، فقالا: ربنا لمن هذه المنزلة؟!
فقال الله جل جلاله: إرفعا رؤوسكما إلى ساق العرش.
فرفعا رؤوسهما، فوجدا أسماء محمد، وعلي، وفاطمة، والأئمة عليهم السلام مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الله الجبار جل جلاله، فقالا: يا ربنا، ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك، وما أحبهم إليك، وما أشرفهم لديك!!
فقال الله جل جلاله: لولاهم ما خلقتكما. هؤلاء خزنة علمي، وأمنائي على سري، إياكما أن تنظرا إليهم بعين الحسد، وتمنيا منزلتهم عندي، ومحلهم من كرامتي، فتدخلان بذلك في نهيي وعصياني، فتكونا من الظالمين..
قالا: ربنا ومن الظالمون؟!
قال: المدعون لمنزلتهم بغير حق..
إلى أن قال: يا آدم ويا حواء، لا تنظرا إلى أنواري وحججي بعين الحسد، فأهبطكما عن جواري، وأحل بكما هواني، {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا}[7].. إلى قوله: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ}.. وحملهما على تمني منزلتهم، فنظرا إليهم بعين الحسد، فخذلا حتى أكلا من شجرة الحنطة الخ[8]..
وعن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت للرضا عليه السلام، يا ابن رسول الله، أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم وحواء، ما كانت؟ فقد اختلف الناس فيها، فمنهم من يروي: أنها الحنطة. ومنهم من يروي أنها العنب، ومنهم من يروي أنها شجرة الحسد؟.
فقال عليه السلام: كل ذلك حق.
فقلت: فما معنى هذه الوجوه على اختلافها؟!
فقال عليه السلام: يا أبا الصلت، إن شجرة الجنة تحمل أنواعاً. وكانت شجرة الحنطة، وفيها عنب، وليست كشجرة الدنيا. وإن آدم لما أكرمه الله تعالى ذكره بإسجاد ملائكته له، وبإدخاله الجنة قال في نفسه: هل خلق الله بشراً أفضل مني؟
فعلم الله عز وجل ما وقع في نفسه فناداه: ارفع رأسك يا آدم، وانظر إلى ساق عرشي..
فرفع آدم رأسه، فنظر إلى ساق العرش، فوجد مكتوباً:
لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين. الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
فقال آدم: يا رب من هؤلاء؟
فقال عز وجل: هؤلاء من ذريتك، وهم خير منك، ومن جميع خلقي. ولولاهم ما خلقتك، ولا خلقت الجنة والنار، ولا السماء ولا الأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد، وتمنى منزلتهم.
فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها، فسلط على حواء لنظرها إلى فاطمة بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم، فأخرجهما الله تعالى من جنته، وأهبطهما عن جواره إلى الأرض[9].
إن اختلاف التعبير في الأحاديث، فبعضها عبر عنه بالأكل والبعض الآخر بالحسد يجعلنا نفهم أن المقصود منه أمر مغاير لظاهر الحسد المتعارف.
 ومن هنا كان آدم ممدوحاً مستحقّاً للاصطفاء والاجتباء، ولكنه مع ذلك فعل ما لم يكن ينبغي لمثله أن يصدر منه، ولذلك لم يكن من أولي العزم من الرسل.
وهذا يطل بنا على مشهد من مشاهد عظمة أهل البيت عليهم السلام، وعلو مكانهم، بحيث أن الأنبياء مهما بلغوا لا يحق لهم حتى مجرد تمني مكانهم، فضلاً عن إمكان بلوغهم لمنزلتهم السامقة. ولذلك قالت الآية: "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا "[10]، فعبرت بلفظ النسيان، الذي لا ينسجم مع حقيقة الحسد المعروف، فإن الحسد إحساس باطني غير اختياري، سواء تذكر الإنسان أم نسي. وإذا كان هذا حال نبي الله آدم عليه السلام، الذي أسجد الله له الملائكة كلهم ، فكذلك الحال بالنسبة لغيره ممن لم يحصل له مثل ذلك؟!
وهذا البيان يجري أيضاً في سائر الأحاديث الأخرى المشار إليها في متن السؤال، عن يونس وأيوب وبعض الملائكة عليهم السلام أجمعين.


سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

________
[1] (طه: 121-122).
[2] (آل عمران: 33).
[3] (بصائر الدرجات: ص 67).
[4] (بحار الأنوار، مصدر سابق: ج2 ص183 و185، ح2).
[5] ( تفسير نور الثقلين: ج3 ص402 عن تفسيري العياشي والبرهان: ج2 ص6).
[6] البقرة: 35.
[7] الأعراف: 20.
[8](نور الثقلين ج2 ص12. وراجع ج1 ص67 و68 عن معاني الأخبار وتفسير البرهان: ج1 ص82 و83).
[9] (تفسير نور الثقلين: ج1 ص60 عن عيون أخبار الرضا وتفسير البرهان: ج1 ص83 و84)).
[10] (طه: 115).



من طرف طريق الفضيلة  |  نشر في :  9:50 م

الاثنين، 17 نوفمبر 2014




السؤال: من هم (المرجئة) ولماذا يعتبر اعتقادهم خاطئ؟
 
الجواب: فكرة الإرجاء قامت في الأساس على عقيدة فصل الإيمان عن العمل، فقال المرجئون بكفاية الإيمان في الدنيا لدخول الجنة، مهما عمل وارتكب من الجرائم والمعاصي. وأن الإيمان درجة واحدة لا تفاوت فيها ولا مراتب، لأن المرء إما أن يكون مؤمناً أو كافراً، ولا منزلة وسطى بين الإيمان والكفر. كما أشكلوا بناء على ما تقدم في وجود المؤمن الفاسق.
وجاءت لفظة الإرجاء من نفس اللفظ، بمعنى التأخير، والمراد التأخير إلى يوم الحساب. وإن المحقق لا يجد فرقة تخصصت بالإرجاء، بمعنى أنهم فرقة إسلامية لها عقيدة متكاملة أو شبه متكاملة عن التصورات الدينية، بل تجد الإرجاء واقعاً عند العديد من المذاهب الفكرية، اتفقوا حول أصل الإرجاء، ثم اختلفوا في أكثر الأشياء، وربما وصلت الاختلافات فيما بينهم إلى درجة التناقض. فمنهم الخوارج الذين يكفرون عثمان بن عفان وأمير المؤمنين عليه السلام، ومنهم من يرى إيمان أبي بكر وعمر وعثمان وأمير المؤمنين عليه السلام.
وتكمن خطورة هذا التيار الفكري - مضافاً إلى الانحراف العقدي الواضح، وكونه واضح البطلان وأن وراءه غرضاً سياسياً - دعوته إلى الانحلال، وتبرير الفواحش والمنكرات، وأنها لا تنقص من إيمان المرء شيئاً، وهو منفذ مخيف إلى قلوب الشباب الذين تتنازعهم المطامح والغرائز والشهوات، ولذلك رأينا القرآن وأهل البيت صلوات الله عليهم يشددان على بطلان عقيدتهم، بأشد وأغلظ الألفاظ؛ فالقرآن الكريم يصرح بأن الإيمان مقرون بالعمل لا يفصل بينهما، قال سبحانه: (إِنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ)[1]. وقال رسول اللّه صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: "ليس الايمان بالتحلّي، ولا بالتمنّي، ولكنّ الإيمان ما خلص في القلب، وصدّقه الأعمال"[2]. وروي عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال: «قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام ): من شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله كان مؤمناً؟ قال: فأين فرائض الله؟ قال: وسمعته يقول: كان عليّ (عليه السلام) يقول: لو كان الإيمان كلاماً لم ينزل فيه صوم، ولا صلاة، ولا حلال، ولا حرام. قال: وقلت لأبي جعفر ( عليه السلام ): إنّ عندنا قوماً يقولون: إذا شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله فهو مؤمن قال: فلم يُضرَبون الحدود؟ ولم تُقطَع أيديهم؟ وما خلق الله عزّ وجلّ خلقاً أكرم على الله عزّ وجلّ من المؤمن، لأنّ الملائكة خدّام المؤمنين وأنّ جوار الله للمؤمنين، وأنّ الجنّة للمؤمنين، وأنّ الحور العين للمؤمنين، ثمّ قال: فما بال من جحد الفرائض كان كافراً»[3].
وأيضاً عن محمّد بن حكيم قال: قلت لأبي الحسن ( عليه السلام ): الكبائر تخرج من الإيمان؟ فقال: "نعم وما دون الكبائر، قال رسول اللّه صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن"[4].
وروى أيضاً عن عبيد بن زرارة قال: دخل ابن قيس الماصر وعمر بن ذرّ ـ وأظنّ معهما أبو حنيفة ـ على أبي جعفر عليه السلام، فتكلّم ابن قيس الماصر فقال: إنّا لا نُخرج أهل دعوتنا وأهل ملّتنا من الإيمان في المعاصي والذنوب. قال: فقال له أبو جعفر (عليه السلام): "يا ابن قيس أمّا رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فقد قال: لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن، فاذهب أنت وأصحابك حيث شئت"[5].
وإذا كان هذا على مستوى إبداء الرأي في صحة عقيدتهم وبطلانها، وبعده من الدين الحق، فإن أهل البيت عليهم السلام لم يكتفوا بذلك على الصعيدين العملي والتربوي، بل أخذوا يحذرون الأمة من أحابيلهم، وينبهونها إلى خطرهم، فقالوا، برواية الكراجكي عن الصّادق: «ملعون ملعون من قال: الإيمان قول بلا عمل»[6]. وقال أيضاً: لعن الله القدريّة، لعن الله الخوارج، لعن الله المرجئة، لعن الله المرجئة، [قال الراوي]: فقلت: لعنت هؤلاء مرّة مرّة ولعنت هؤلاء مرّتين قال: إنّ هؤلاء يقولون: إنّ قَتَلَتَنا مؤمنون، فدماؤنا متلطّخة بثيابهم إلى يوم القيامة. إنّ الله حكى عن قوم في كتابه: "ألاّ نُؤْمِنَ لِرَسُول حَتّى يَأْتِينَا بِقُرْبَان تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُموهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" قال: كان بين القاتلين والقائلين خمسمائة عام فألزمهم الله القتل برضاهم ما فعلوا[7]. وقال الإمام الصادق أيضاً: "بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة"[8]. والتركيز على الأحداث الصغار في هذا الحديث باعتبار أنهم العجينة الخام القابلة للتشكيل والصياغة، بخلاف الكبار الذي تشكلت شخصياتهم، ويصعب تغيير قناعاتهم.
ثم إن الأمويين قد ركبوا موجة هذا التيار، لأنه يشرع أعمالهم، ويبرر انحرافاتهم واستبدادهم ومفاسدهم، حيث إنهم مع كل ذلك يبقون مؤمنين وعاقبتهم الجنة!
 
سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

____________
[1] الحجرات /15.
[2] البحار ج 69 ص 72 نقلاً عن معاني الاخبار ص 187.
[3] الكافي ج 2 ص 33، الحديث 2، والبحار ج 66 ص 19، الحديث 2.
[4] الكافي ج 2 ص 284 ـ 285، الحديث 21.
[5] الكافي ج 2 ص 285، الحديث 22.
[6] البحار ج 69 ص 19، الحديث 1.
[7] الكافي ج 2، ص 409، الحديث 1.
[8] الكافي: 6/47، الحديث 5.

القرآن وأهل البيت يحذرون من المرجئة، فمن هم؟




السؤال: من هم (المرجئة) ولماذا يعتبر اعتقادهم خاطئ؟
 
الجواب: فكرة الإرجاء قامت في الأساس على عقيدة فصل الإيمان عن العمل، فقال المرجئون بكفاية الإيمان في الدنيا لدخول الجنة، مهما عمل وارتكب من الجرائم والمعاصي. وأن الإيمان درجة واحدة لا تفاوت فيها ولا مراتب، لأن المرء إما أن يكون مؤمناً أو كافراً، ولا منزلة وسطى بين الإيمان والكفر. كما أشكلوا بناء على ما تقدم في وجود المؤمن الفاسق.
وجاءت لفظة الإرجاء من نفس اللفظ، بمعنى التأخير، والمراد التأخير إلى يوم الحساب. وإن المحقق لا يجد فرقة تخصصت بالإرجاء، بمعنى أنهم فرقة إسلامية لها عقيدة متكاملة أو شبه متكاملة عن التصورات الدينية، بل تجد الإرجاء واقعاً عند العديد من المذاهب الفكرية، اتفقوا حول أصل الإرجاء، ثم اختلفوا في أكثر الأشياء، وربما وصلت الاختلافات فيما بينهم إلى درجة التناقض. فمنهم الخوارج الذين يكفرون عثمان بن عفان وأمير المؤمنين عليه السلام، ومنهم من يرى إيمان أبي بكر وعمر وعثمان وأمير المؤمنين عليه السلام.
وتكمن خطورة هذا التيار الفكري - مضافاً إلى الانحراف العقدي الواضح، وكونه واضح البطلان وأن وراءه غرضاً سياسياً - دعوته إلى الانحلال، وتبرير الفواحش والمنكرات، وأنها لا تنقص من إيمان المرء شيئاً، وهو منفذ مخيف إلى قلوب الشباب الذين تتنازعهم المطامح والغرائز والشهوات، ولذلك رأينا القرآن وأهل البيت صلوات الله عليهم يشددان على بطلان عقيدتهم، بأشد وأغلظ الألفاظ؛ فالقرآن الكريم يصرح بأن الإيمان مقرون بالعمل لا يفصل بينهما، قال سبحانه: (إِنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ)[1]. وقال رسول اللّه صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: "ليس الايمان بالتحلّي، ولا بالتمنّي، ولكنّ الإيمان ما خلص في القلب، وصدّقه الأعمال"[2]. وروي عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال: «قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام ): من شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله كان مؤمناً؟ قال: فأين فرائض الله؟ قال: وسمعته يقول: كان عليّ (عليه السلام) يقول: لو كان الإيمان كلاماً لم ينزل فيه صوم، ولا صلاة، ولا حلال، ولا حرام. قال: وقلت لأبي جعفر ( عليه السلام ): إنّ عندنا قوماً يقولون: إذا شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله فهو مؤمن قال: فلم يُضرَبون الحدود؟ ولم تُقطَع أيديهم؟ وما خلق الله عزّ وجلّ خلقاً أكرم على الله عزّ وجلّ من المؤمن، لأنّ الملائكة خدّام المؤمنين وأنّ جوار الله للمؤمنين، وأنّ الجنّة للمؤمنين، وأنّ الحور العين للمؤمنين، ثمّ قال: فما بال من جحد الفرائض كان كافراً»[3].
وأيضاً عن محمّد بن حكيم قال: قلت لأبي الحسن ( عليه السلام ): الكبائر تخرج من الإيمان؟ فقال: "نعم وما دون الكبائر، قال رسول اللّه صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن"[4].
وروى أيضاً عن عبيد بن زرارة قال: دخل ابن قيس الماصر وعمر بن ذرّ ـ وأظنّ معهما أبو حنيفة ـ على أبي جعفر عليه السلام، فتكلّم ابن قيس الماصر فقال: إنّا لا نُخرج أهل دعوتنا وأهل ملّتنا من الإيمان في المعاصي والذنوب. قال: فقال له أبو جعفر (عليه السلام): "يا ابن قيس أمّا رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فقد قال: لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن، فاذهب أنت وأصحابك حيث شئت"[5].
وإذا كان هذا على مستوى إبداء الرأي في صحة عقيدتهم وبطلانها، وبعده من الدين الحق، فإن أهل البيت عليهم السلام لم يكتفوا بذلك على الصعيدين العملي والتربوي، بل أخذوا يحذرون الأمة من أحابيلهم، وينبهونها إلى خطرهم، فقالوا، برواية الكراجكي عن الصّادق: «ملعون ملعون من قال: الإيمان قول بلا عمل»[6]. وقال أيضاً: لعن الله القدريّة، لعن الله الخوارج، لعن الله المرجئة، لعن الله المرجئة، [قال الراوي]: فقلت: لعنت هؤلاء مرّة مرّة ولعنت هؤلاء مرّتين قال: إنّ هؤلاء يقولون: إنّ قَتَلَتَنا مؤمنون، فدماؤنا متلطّخة بثيابهم إلى يوم القيامة. إنّ الله حكى عن قوم في كتابه: "ألاّ نُؤْمِنَ لِرَسُول حَتّى يَأْتِينَا بِقُرْبَان تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُموهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" قال: كان بين القاتلين والقائلين خمسمائة عام فألزمهم الله القتل برضاهم ما فعلوا[7]. وقال الإمام الصادق أيضاً: "بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة"[8]. والتركيز على الأحداث الصغار في هذا الحديث باعتبار أنهم العجينة الخام القابلة للتشكيل والصياغة، بخلاف الكبار الذي تشكلت شخصياتهم، ويصعب تغيير قناعاتهم.
ثم إن الأمويين قد ركبوا موجة هذا التيار، لأنه يشرع أعمالهم، ويبرر انحرافاتهم واستبدادهم ومفاسدهم، حيث إنهم مع كل ذلك يبقون مؤمنين وعاقبتهم الجنة!
 
سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

____________
[1] الحجرات /15.
[2] البحار ج 69 ص 72 نقلاً عن معاني الاخبار ص 187.
[3] الكافي ج 2 ص 33، الحديث 2، والبحار ج 66 ص 19، الحديث 2.
[4] الكافي ج 2 ص 284 ـ 285، الحديث 21.
[5] الكافي ج 2 ص 285، الحديث 22.
[6] البحار ج 69 ص 19، الحديث 1.
[7] الكافي ج 2، ص 409، الحديث 1.
[8] الكافي: 6/47، الحديث 5.

من طرف طريق الفضيلة  |  نشر في :  7:52 م

الأحد، 16 نوفمبر 2014


السؤال: نسمع من بعض المشككين أن الأحاديث تظهر الأنبياء على أنهم شهوانيون والعياذ بالله، من قبيل الحديث النبوي القائل: حب النساء من خصال الأنبياء، فبماذا نجيبهم؟
 
الجواب: إنه صلى الله عليه وآله ينبه بذلك على سنة طبيعية ثابتة، بثها الله تبارك وتعالى في الخلق، من أجل أهداف سامية اقتضتها حكمته فيهم. ولذلك ورد: أن " من أخلاق الأنبياء حب النساء"[1]. ولعل هذه الأحاديث تشير – فيما تشير - إلى رسائل ثلاث:
 الأولى: سلامتهم عليهم السلام روحاً وجسماً، كما قال تعالى: " زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ"[2].
والرسالة الثانية: لسائر الناس، تريد أن توجّه الناس لهذه الغريزة الصحيحة، وإبعادهم عن الشذوذ بكل أشكاله. وها نحن نرى بأم أعيننا كيف تساق البشرية سوقاً إلى المهاوي السحيقة، من قبل الأفكار الوضعية الأخرى غير الوحيانية؟! حيث اكتفاء الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، والعزوبة البائسة، والعنوسة الوبيئة. فيما أهل البيت المعصومون (ع) لا يداهنون ولا يجاملون في بيان الحقائق الشرعية.
 والثالثة: أن هذه الروايات تندرج في استنقاذ نصف المجتمع الذي هو المرأة، من نصفه الآخر الذي هو الرجل. وقد طالما نظر إلى المرأة على أنها ليست أكثر من سقط متاع، تزيد وتنقص كما تزيد وتنقص أية قطعة من قطع أثاث البيت، بينما أنبياء الله وأولياؤه يبينون أن التعامل معها ينبغي أن يبتني على المحبة والاحترام المتبادل. فيكون هذا التنبيه منهم صلوات الله عليهم قمة الدين والعلم والأدب. فكلما زاد إيمان العبد وزادت معرفته بالله وبأحكامه وتعاليمه زاد محبة واحتراماً وحدباً على النساء.
 

سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

______________
[1] (مكارم الأخلاق: ص197).
[2] (آل عمران: 14).



الأنبياء وحب النساء


السؤال: نسمع من بعض المشككين أن الأحاديث تظهر الأنبياء على أنهم شهوانيون والعياذ بالله، من قبيل الحديث النبوي القائل: حب النساء من خصال الأنبياء، فبماذا نجيبهم؟
 
الجواب: إنه صلى الله عليه وآله ينبه بذلك على سنة طبيعية ثابتة، بثها الله تبارك وتعالى في الخلق، من أجل أهداف سامية اقتضتها حكمته فيهم. ولذلك ورد: أن " من أخلاق الأنبياء حب النساء"[1]. ولعل هذه الأحاديث تشير – فيما تشير - إلى رسائل ثلاث:
 الأولى: سلامتهم عليهم السلام روحاً وجسماً، كما قال تعالى: " زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ"[2].
والرسالة الثانية: لسائر الناس، تريد أن توجّه الناس لهذه الغريزة الصحيحة، وإبعادهم عن الشذوذ بكل أشكاله. وها نحن نرى بأم أعيننا كيف تساق البشرية سوقاً إلى المهاوي السحيقة، من قبل الأفكار الوضعية الأخرى غير الوحيانية؟! حيث اكتفاء الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، والعزوبة البائسة، والعنوسة الوبيئة. فيما أهل البيت المعصومون (ع) لا يداهنون ولا يجاملون في بيان الحقائق الشرعية.
 والثالثة: أن هذه الروايات تندرج في استنقاذ نصف المجتمع الذي هو المرأة، من نصفه الآخر الذي هو الرجل. وقد طالما نظر إلى المرأة على أنها ليست أكثر من سقط متاع، تزيد وتنقص كما تزيد وتنقص أية قطعة من قطع أثاث البيت، بينما أنبياء الله وأولياؤه يبينون أن التعامل معها ينبغي أن يبتني على المحبة والاحترام المتبادل. فيكون هذا التنبيه منهم صلوات الله عليهم قمة الدين والعلم والأدب. فكلما زاد إيمان العبد وزادت معرفته بالله وبأحكامه وتعاليمه زاد محبة واحتراماً وحدباً على النساء.
 

سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

______________
[1] (مكارم الأخلاق: ص197).
[2] (آل عمران: 14).



من طرف طريق الفضيلة  |  نشر في :  8:10 م

الجمعة، 24 أكتوبر 2014




السؤال: المغرب / الدار البيضاء
سؤالي كالتالي: ولله الحمد لست ممن يتوانى أو يتأثم عن لعن وسب أعداء الله ظالمي محمد وأهل بيته عليهم السلام والجهر بذلك براءة منهم وكفرا بهم.
ومع ذلك لست ممن يجيز على نفسه احتياطا استعمال كلام بذيئ وما أشبه. فارتأيت استفتاء سماحتكم بعدة أسئلة عن هذا الموضوع وما يشوبه من إشكالات وما وجه القيد الشرعي فيه.
1- ما معنى الكلام البذيئ وما فرقه عن السب أو ما وجه الخصوص فيه ؟
2- هل يرتبط تحديد الكلام البذيئ بالعرف ويختلف بذلك من وسط لآخر زمانا ومكانا ؟
3- كيف يمكن الجمع بين روايات تذم الفحاش واللسان البذيئ واحتجاج الإمام أبو محمد الحسن المجتبى روحي فداه مثلا على معاوية والطغام ممن حوله لعنهم الله الواردة في الاحتجاج وغيرها من كلام الأئمة الأطهار في وجه أعداءهم الطواغيت:
- هل الأمر خاص بالأئمة الأطهار في حق أعدائهم؟
- هل يختص الأمر فقط في مورد المواجهة بين المعصوم وأعدائه لا تكلما عنهم في مورد الخطبة على جمهور الناس يجتمع فيه المؤالف والمخالف والحديث دائما عن ما أظنه كلاما بذيئا في مواجهتهم عليهم السلام لأعداءهم لا مطلق السباب مع استحقاق أعداءهم منهم لذلك.
4- هل بعنوان التبري وهي ممارسة للبراءة بلعن وسب أعداء الله ظالمي أهل البيت عليهم السلام والجهر بذلك في غير موارد التقية يسقط عن الكلام البذيئ قبحه لأنه في حقهم يكون؟
5- كيف يمكن الجمع بين هذه الروايات:
(الرواية طويلة مع كل ما تضمنته من تطاول جماعة من منكري فضائل الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام في مجلس معاوية لعنه الله ومواجهتهم من قبل الإمام المجتبى عليه السلام بالطعن في أعراضهم والنيل منهم .. فاقتطعت موضع الشاهد) 
الاحتجاج - احتجاج الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام على جماعة من المنكرين لفضله وفضل أبيه من قبل في مجلس معاوية " لعنه الله"
"....... فوثب معاوية فوضع يده على فم الحسن وقال: يا أبا محمد ما كنت فحاشا ولا طياشا، فنفض الحسن عليه السلام ثوبه، وقام فخرج، فتفرق القوم عن المجلس بغيظ، وحزن، وسواد الوجوه في الدنيا والآخرة."
يمكن مراجعة الرواية للوقوف على ما تضمنته من كلام الإمام المجتبى عليه السلام وكيف ألقمهم الحجة واكفهرت وجوههم لذلك ونظائرها كثير. وفي قبالها من حيث ما يظهر لي عن قصور واشتباه ما يلي:
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنّ الفحش والبذاء والسلاطة من النفاق».
الكافي: ج2 ص325 باب البذاء ح10.
وعن سماعة قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال لي مبتدئاً: «يا سماعة ما هذا الذي كان بينك وبين حمّالك؟ إيّاك أن تكون فحّاشاً أو صخّاباً أو لعّاناً». فقلت: والله لقد كان ذلك أنّه ظلمني. فقال: «إن كان ظلمك لقد أربيت عليه إنّ هذا ليس من فعالي ولا آمر به شيعتي، استغفر الله ولا تعد». قلت: أستغفر الله ولا أعود. (الكافي: ج2 ص326 باب البذاء ح14).
 
الجواب (1-5): البذاءة هي ذكر الألفاظ المخلة بالأدب العرفي، وفي عرف المتشرعين هي المخلة بالأدب الذي يعده الشرع منكراً.
والسب هو خطاب الغير بذكر سبته وعورته، فهو أعم من وجه من الكلام البذيء؛ إذ الكلام البذيء هو التفوه بالكلام النابئ سواء في السب أو غيره، والسب هو مخاطبة الغير بذكر عيبه وسبته سواء بالكلام النابئ أو بغيره. ومن الواضح أن البذاءة أمر مقبوح مذموم على كل حال. وأما السب فحسب التعريف المذكور قد يكون بألفاظ لاتأباها النفوس العفيفة، وذلك إذا جاء في مكانه الصحيح، وبشرطه وشروطه. ومن شروطه أن يكون حقّاً، مستحقّاً على الخصم، وأن يكون من مظلوم، أو ممن ينتصر بشكل مشروع لمظلوم كالقاضي ونحوه. وبتعبير جامع أن يكون معروفاً غير منكر.
وانطلاقاً من محورية المنكر والمعروف المنطلقة من الشرع المقدس يمكن أن نرى لفظاً ما في سياق معين فنطلق عليه سبّاً، ولا نطلق عليه ذلك في سياق آخر. وهذا ما نشاهده بأم أعيننا، ونعايشه بوجداننا، حين نقرأ كتاب الله وهو يقول في حق بلعم بن باعوراء مثلاً: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ"[1]، أو قوله في حق الوليد بن المغيرة: " وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ . هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ . مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ "[2]، وقوله سبحانه في حق أبي لهب وامرأته: "تبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ... وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ"[3]. وهكذا الآيات التي تذم وتستنكر أفعال الكفرة والفجرة.
ولا يقولن قائل: بأن أولئك كفار ونحن نتكلم عن المسلمين؛ وذلك لأن الكلام هو على صحة السب أو الذم بمثل هذه الألفاظ وعدمها. فإذا صحت وساغت في حق أشخاص مهما كانوا، كان علينا أن نرجع إلى تلك الأسباب والدواعي لنرى هل أنها موجودة أم لا؟ فبوجودها تصح وتسوغ نتيجتها.
وإن كل ما صدر ويصدر من أهل البيت صلوات الله عليهم لا يكون إلا حقّاً. ولا يلجأون إلى ذكر تلك المثالب بحق مناوئيهم وأعدائهم إلا أن يلجئهم خصومهم وأعداؤهم إلى ذلك إلجاءً. ولذلك وجدنا أن كل من نعتهم أهل البيت عليهم السلام بمثل تلك الصفات والألقاب أقروا بها ولم يحيروا جواباً، ولم يعترضوا، بل عاتبوا من كان السبب في إجبار أهل البيت عليهم السلام لقول تلك المقالات.
خصوصاً وقد ثبت بمتابعة السيرة أنهم صلوات الله عليهم إنما ينتفضون حين ينتفضون لا لأنفسهم وأشخاصهم بل لعناوينهم وما يترتب على تلويثها وتدنيسها من ضياع للحق، وضلال للناس.
ومما تقدم يمكن القول: إن السب لدى العرف وإن كان يصدق بذكر السُّبّات والعورات، غير أن العرف لا يطلق على كل ذكر للعيب والعورات سبّاً. ولذلك نراهم لا يسمون القاضي سابّاً أو شاتماً للمحكوم عليهم، حين يذكر المجرمين بألقابهم الإجرامية، من قبيل الزاني، وابن الزنا، والكاذب، وشبهها.




سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

__________
[1] (الأعراف: 175 و176).
[2] (القلم: 10-13).
[3] (المسد: 1 و4).

ما معنى السب والكلام البذيء؟ وهل يجوزان؟




السؤال: المغرب / الدار البيضاء
سؤالي كالتالي: ولله الحمد لست ممن يتوانى أو يتأثم عن لعن وسب أعداء الله ظالمي محمد وأهل بيته عليهم السلام والجهر بذلك براءة منهم وكفرا بهم.
ومع ذلك لست ممن يجيز على نفسه احتياطا استعمال كلام بذيئ وما أشبه. فارتأيت استفتاء سماحتكم بعدة أسئلة عن هذا الموضوع وما يشوبه من إشكالات وما وجه القيد الشرعي فيه.
1- ما معنى الكلام البذيئ وما فرقه عن السب أو ما وجه الخصوص فيه ؟
2- هل يرتبط تحديد الكلام البذيئ بالعرف ويختلف بذلك من وسط لآخر زمانا ومكانا ؟
3- كيف يمكن الجمع بين روايات تذم الفحاش واللسان البذيئ واحتجاج الإمام أبو محمد الحسن المجتبى روحي فداه مثلا على معاوية والطغام ممن حوله لعنهم الله الواردة في الاحتجاج وغيرها من كلام الأئمة الأطهار في وجه أعداءهم الطواغيت:
- هل الأمر خاص بالأئمة الأطهار في حق أعدائهم؟
- هل يختص الأمر فقط في مورد المواجهة بين المعصوم وأعدائه لا تكلما عنهم في مورد الخطبة على جمهور الناس يجتمع فيه المؤالف والمخالف والحديث دائما عن ما أظنه كلاما بذيئا في مواجهتهم عليهم السلام لأعداءهم لا مطلق السباب مع استحقاق أعداءهم منهم لذلك.
4- هل بعنوان التبري وهي ممارسة للبراءة بلعن وسب أعداء الله ظالمي أهل البيت عليهم السلام والجهر بذلك في غير موارد التقية يسقط عن الكلام البذيئ قبحه لأنه في حقهم يكون؟
5- كيف يمكن الجمع بين هذه الروايات:
(الرواية طويلة مع كل ما تضمنته من تطاول جماعة من منكري فضائل الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام في مجلس معاوية لعنه الله ومواجهتهم من قبل الإمام المجتبى عليه السلام بالطعن في أعراضهم والنيل منهم .. فاقتطعت موضع الشاهد) 
الاحتجاج - احتجاج الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام على جماعة من المنكرين لفضله وفضل أبيه من قبل في مجلس معاوية " لعنه الله"
"....... فوثب معاوية فوضع يده على فم الحسن وقال: يا أبا محمد ما كنت فحاشا ولا طياشا، فنفض الحسن عليه السلام ثوبه، وقام فخرج، فتفرق القوم عن المجلس بغيظ، وحزن، وسواد الوجوه في الدنيا والآخرة."
يمكن مراجعة الرواية للوقوف على ما تضمنته من كلام الإمام المجتبى عليه السلام وكيف ألقمهم الحجة واكفهرت وجوههم لذلك ونظائرها كثير. وفي قبالها من حيث ما يظهر لي عن قصور واشتباه ما يلي:
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنّ الفحش والبذاء والسلاطة من النفاق».
الكافي: ج2 ص325 باب البذاء ح10.
وعن سماعة قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال لي مبتدئاً: «يا سماعة ما هذا الذي كان بينك وبين حمّالك؟ إيّاك أن تكون فحّاشاً أو صخّاباً أو لعّاناً». فقلت: والله لقد كان ذلك أنّه ظلمني. فقال: «إن كان ظلمك لقد أربيت عليه إنّ هذا ليس من فعالي ولا آمر به شيعتي، استغفر الله ولا تعد». قلت: أستغفر الله ولا أعود. (الكافي: ج2 ص326 باب البذاء ح14).
 
الجواب (1-5): البذاءة هي ذكر الألفاظ المخلة بالأدب العرفي، وفي عرف المتشرعين هي المخلة بالأدب الذي يعده الشرع منكراً.
والسب هو خطاب الغير بذكر سبته وعورته، فهو أعم من وجه من الكلام البذيء؛ إذ الكلام البذيء هو التفوه بالكلام النابئ سواء في السب أو غيره، والسب هو مخاطبة الغير بذكر عيبه وسبته سواء بالكلام النابئ أو بغيره. ومن الواضح أن البذاءة أمر مقبوح مذموم على كل حال. وأما السب فحسب التعريف المذكور قد يكون بألفاظ لاتأباها النفوس العفيفة، وذلك إذا جاء في مكانه الصحيح، وبشرطه وشروطه. ومن شروطه أن يكون حقّاً، مستحقّاً على الخصم، وأن يكون من مظلوم، أو ممن ينتصر بشكل مشروع لمظلوم كالقاضي ونحوه. وبتعبير جامع أن يكون معروفاً غير منكر.
وانطلاقاً من محورية المنكر والمعروف المنطلقة من الشرع المقدس يمكن أن نرى لفظاً ما في سياق معين فنطلق عليه سبّاً، ولا نطلق عليه ذلك في سياق آخر. وهذا ما نشاهده بأم أعيننا، ونعايشه بوجداننا، حين نقرأ كتاب الله وهو يقول في حق بلعم بن باعوراء مثلاً: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ"[1]، أو قوله في حق الوليد بن المغيرة: " وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ . هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ . مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ "[2]، وقوله سبحانه في حق أبي لهب وامرأته: "تبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ... وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ"[3]. وهكذا الآيات التي تذم وتستنكر أفعال الكفرة والفجرة.
ولا يقولن قائل: بأن أولئك كفار ونحن نتكلم عن المسلمين؛ وذلك لأن الكلام هو على صحة السب أو الذم بمثل هذه الألفاظ وعدمها. فإذا صحت وساغت في حق أشخاص مهما كانوا، كان علينا أن نرجع إلى تلك الأسباب والدواعي لنرى هل أنها موجودة أم لا؟ فبوجودها تصح وتسوغ نتيجتها.
وإن كل ما صدر ويصدر من أهل البيت صلوات الله عليهم لا يكون إلا حقّاً. ولا يلجأون إلى ذكر تلك المثالب بحق مناوئيهم وأعدائهم إلا أن يلجئهم خصومهم وأعداؤهم إلى ذلك إلجاءً. ولذلك وجدنا أن كل من نعتهم أهل البيت عليهم السلام بمثل تلك الصفات والألقاب أقروا بها ولم يحيروا جواباً، ولم يعترضوا، بل عاتبوا من كان السبب في إجبار أهل البيت عليهم السلام لقول تلك المقالات.
خصوصاً وقد ثبت بمتابعة السيرة أنهم صلوات الله عليهم إنما ينتفضون حين ينتفضون لا لأنفسهم وأشخاصهم بل لعناوينهم وما يترتب على تلويثها وتدنيسها من ضياع للحق، وضلال للناس.
ومما تقدم يمكن القول: إن السب لدى العرف وإن كان يصدق بذكر السُّبّات والعورات، غير أن العرف لا يطلق على كل ذكر للعيب والعورات سبّاً. ولذلك نراهم لا يسمون القاضي سابّاً أو شاتماً للمحكوم عليهم، حين يذكر المجرمين بألقابهم الإجرامية، من قبيل الزاني، وابن الزنا، والكاذب، وشبهها.




سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

__________
[1] (الأعراف: 175 و176).
[2] (القلم: 10-13).
[3] (المسد: 1 و4).

من طرف طريق الفضيلة  |  نشر في :  7:18 م

الجمعة، 10 أكتوبر 2014




السؤال: اشكالية في القرآن

لقد وضع أحد أصدقائي اشكالية حول القرآن الكريم تحت عنوان "خطأ حسابي في القرآن" , و تقول هذه الاشكالية نقلا عنه  :

يوصيكم اللّه في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين فإن كنّ نساء فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النّصف ولأبويه لكلّ واحد ...مّنهما السّدس ممّا ترك إن كان له ولد فإن لّم يكن لّه ولد وورثه أبواه فلأمّه الثّلث فإن كان له إخوة فلأمّه السّدس من بعد وصيّة يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا فريضة مّن اللّه إنّ اللّه كان عليما حكيما

ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنّ ولد فإن كان لهنّ ولد فلكم الرّبع ممّا تركن من بعد وصيّة يوصين بها أو دين ولهنّ الرّبع ممّا تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهنّ الثّمن ممّا تركتم من بعد وصيّة توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكلّ واحد منهما السّدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثّلث من بعد وصيّة يوصى بها أو دين غير مضارّ وصيّة من اللّه واللّه عليم حليم

سورة النساء-11-12

إذا ورث المتوفى ثلاث بنات ووالديه وزوجته, فإن:

نصيب ال3 بنات = 2/3 التركة

فإن كنّ نساء فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك

نصيب والديه = 1/6 + 1/6 = 1/3 التركة

ولأبويه لكلّ واحد مّنهما السّدس ممّا ترك إن كان له ولد

نصيب زوجته = 1/8 التركة

فإن كان لكم ولد فلهنّ الثّمن ممّا تركتم

مجموع الأنصبة= 2/3 + 1/3 + 1/8 = 1.125

أكثر من 1 أى أكثر من مقدار التركة المتاحة

فى المثال السابق, أن يصير مجموع الأنصبة 112.5% بدلا من 100% خطأ حسابى كبير, أليس كذلك؟

لو كان المبلغ 1000

نحتاج 1125 لتوزيعها عليهم كما قال القرأن

سيدي أطلب منكم اذا سمحتم جوابا علميا فقهيا يدحض هذه الاشكالية لأتمكن من الرد عليه وتوضيح خطأه و تبيان أن القرآن حق و منزه عن الأخطاء .. فهل من تفاسير أوضح لهذه الآيات  ؟

 

الجواب: هذه الشبهة اعترضت عمر بن الخطاب وبعض الصحابة حين ووجهوا بقضية امرأة ماتت عن زوج و أختين لأب ، فجمع الصحابة ، وقال: فرض الله للزوج النصف ، و للأختين الثلثين ، فإن بدأت بالزوج لم يبق للأختين الثلثان ، وإن بدأت بالأختين لم يبق للزوج النصف  . فظن عمر حصول العول (أي النقص) في السهام بالنسبة إلى التركة، حيث يكون مجموع السهام - كما قال السائل - سبعة من ستة هي جميع التركة. وقد انقاد لهذا الرأي الظني المخالفون لأهل البيت (عليهم السلام)، وتركوا قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: "علي مع الحق والحق مع علي" ، وقال: "أقضاكم علي" ، وقال: "أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها" ، و "علي مع القرآن والقرآن مع علي" . وفي هذه القضية: روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قوله، كما جاء في الكافي، عن الإمام الباقر (عليه السلام): "إن الذي أحصى رمل عالج ليعلم أن السهام لا تعول على ستة لو تبصرون وجهها لم تجز ستة" !. وعن الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "الحمد لله الذي لا مقدم لما أخر، و لا مؤخر لما قدم، ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: يا أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها لو كنتم قدمتم من قدم الله و أخرتم من أخر الله، وجعلتم الولاية والوراثة حيث جعلها الله ما عال ولي الله، ولا عال سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمر الله إلا وعند علي علمه من كتاب الله، فذوقوا وبال أمركم وما فرطتم فيما قدمت أيديكم، وما الله بظلام للعبيد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" .

ويؤيد ذلك ما نقله العامة عن الزهري، حيث قال الشيخ أبو زهرة في كتابه: (الميراث عند الجعفرية): قال ابن شهاب الزهري: " لولا تقدم فتوى الإمام العادل عمر بن الخطاب على فتوى ابن عباس لكان كلام ابن عباس جديرا بأن يتبعه كل أهل العلم ويصادف الإجماع عليه". وإن الإمامية قد اختاروا رأي ابن عباس رضي الله عنهما ؛ وإنه لفقه جيد" . ومعلوم أن الإمامية لم يتبنوا هذا القول جريا وراء رأي ابن عباس، بل تبعا منهم لأمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي تبعه فيه ابن عباس نفسه.

وفي رواية عبيدالله بن عبدالله بن عتبة قال: جالست ابن عباس، فعرض ذكر الفرائض في المواريث، فقال ابن عباس: سبحان الله العظيم، أترون أن الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا ونصفا وثلثا ، فهذان النصفان قد ذهبا بالمال ، فأين موضع الثلث؟ فقال له زفر بن أوس البصري: يا أبا العباس فمن أول من أعال الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطاب لما التقت (وفي نسخة أخرى: التفت) الفرائض عنده، ودفع بعضها بعضا، فقال: والله ما أدري أيكم قدم الله، وأيكم أخر، وما أجد شيئا هو أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كل ذي سهم ما دخل عليه من عول الفرائض، وايم الله لو قدّم من قدّم الله، وأخر من أخر الله ما عالت فريضة، فقال له زفر: وأيها قدّم، وأيها أخر؟ فقال: كل فريضة لم يهبطها الله عن فريضة إلا إلى فريضة فهذا ما قدم الله، وأما ما أخر فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يبق لها إلا ما بقي، فتلك التي أخر، فأما الذي قدّم فالزوج له النصف، فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع، لا يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع، فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت إلى الثمن، لا يزيلها عنه شيء، والأم لها الثلث، فإذا زالت عنه صارت إلى السدس، ولا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدم الله، وأما التي أخر ففريضة البنات والأخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلا ما بقي، فتلك التي أخر، فإذا اجتمع ما قدم الله وما أخر بدئ بما قدم الله، فأعطي حقه كاملا، فإن بقي شيء كان لمن أخر، وإن لم يبق شيء فلا شيء له، الحديث .

وقد رواه البيهقي، من طريق محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فراجع .

ولتوضيح هذا الحديث نقول:

إن سهام المواريث على ضربين:

الأول: ما يكون له نصيب مفروض في القرآن في كل حالاته وصوره، كالزوج والزوجة والأم، فهؤلاء مهما كانت الصور المحتملة فإن القرآن قد حدد نصيبهم بالنسبة، كالنصف والربع والثمن والثلث والسدس. ومعنى ذلك أنهم يرثون نصيبهم كما ذكر تماما غير منقوص، فلا تدخل عليهم النقيصة أبدا. 

والضرب الثاني: ما لا يكون له نصيب مفروض أصلا، أو يكون له نصيب فقط على بعض الصور، لا في جميعها. كما هو الحال بالنسبة إلى البنت الواحدة، والبنتين أو أكثر، حيث نصيب الأولى النصف، ونصيب الأخريات الثلثان، في بعض الحالات لا فيها جميعا. ومن جهة أخرى نحن نعلم أن الورثة يرثون على كل حال، فالسؤال يأتي بالنسبة لمثل هؤلاء في حالة عدم تحديد النصيب في الكتاب، كما هو الحال في حالة هذا السؤال. وفي هذا الضرب الثاني لا بد من ملاحظة سائر قواعد المواريث لكي يعلم ما هو الموقف القرآني تجاههم.

فإذا نظرنا إلى القرآن الكريم وجدناه يقرر قواعد أخرى عامة تكون مرجعا لنا في صور الخلو من الفروض. ومن تلك القواعد المسلمة: الإرث بالقرابة. ومرجع الإرث بالقرابة قانونان: الأول: " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه" ؛ حيث يرث بهذا القانون ذوو القرابة بقرابتهم، الأقرب فالأقرب. والقانون الثاني: "يوصيكم اللّه في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين" ، وهي نفس الآية مورد السؤال، وذلك أحرى بأن تكون ناظرة للحل. ومن مجموع الآيات والروايات في هذا الضرب الثاني يتبين أن أهل القرابة، بعنوان القرابة لا نصيب لهم مفروضا في الأصل، بمعنى أنهم يرثون كل التركة مع عدم المزاحم، ومع المزاحمة يأخذ الآخر حصته، المفروضة في الكتاب، ويكون جميع الباقي للأقربين. وهذا الباقي، قد يكون هو أكثر التركة، وقد يكون أقل، وفقا لمقتضى قاعدة شرعية وعقلائية أخرى تقول: إن "من له الغنم فعليه الغرم" .

ثم لو قارنا صورة نصيب البنت أو أكثر، مع حالة نصيب الولد، لارتفعت الشبهة من أصلها. حيث إن الولد والذي كان يفترض أن يأخذ بجميع التركة، لولا المزاحم، هو أيضا مع اجتماع الزوج والأبوين، سوف تنقص حصته هو فقط، بنسبة ما يأخذه هؤلاء المزاحمون من حصص موفورة كاملة، كما نص عليها القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

العول في الإرث بين العامة وأتباع أهل البيت عليهم السلام




السؤال: اشكالية في القرآن

لقد وضع أحد أصدقائي اشكالية حول القرآن الكريم تحت عنوان "خطأ حسابي في القرآن" , و تقول هذه الاشكالية نقلا عنه  :

يوصيكم اللّه في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين فإن كنّ نساء فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النّصف ولأبويه لكلّ واحد ...مّنهما السّدس ممّا ترك إن كان له ولد فإن لّم يكن لّه ولد وورثه أبواه فلأمّه الثّلث فإن كان له إخوة فلأمّه السّدس من بعد وصيّة يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا فريضة مّن اللّه إنّ اللّه كان عليما حكيما

ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنّ ولد فإن كان لهنّ ولد فلكم الرّبع ممّا تركن من بعد وصيّة يوصين بها أو دين ولهنّ الرّبع ممّا تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهنّ الثّمن ممّا تركتم من بعد وصيّة توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكلّ واحد منهما السّدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثّلث من بعد وصيّة يوصى بها أو دين غير مضارّ وصيّة من اللّه واللّه عليم حليم

سورة النساء-11-12

إذا ورث المتوفى ثلاث بنات ووالديه وزوجته, فإن:

نصيب ال3 بنات = 2/3 التركة

فإن كنّ نساء فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك

نصيب والديه = 1/6 + 1/6 = 1/3 التركة

ولأبويه لكلّ واحد مّنهما السّدس ممّا ترك إن كان له ولد

نصيب زوجته = 1/8 التركة

فإن كان لكم ولد فلهنّ الثّمن ممّا تركتم

مجموع الأنصبة= 2/3 + 1/3 + 1/8 = 1.125

أكثر من 1 أى أكثر من مقدار التركة المتاحة

فى المثال السابق, أن يصير مجموع الأنصبة 112.5% بدلا من 100% خطأ حسابى كبير, أليس كذلك؟

لو كان المبلغ 1000

نحتاج 1125 لتوزيعها عليهم كما قال القرأن

سيدي أطلب منكم اذا سمحتم جوابا علميا فقهيا يدحض هذه الاشكالية لأتمكن من الرد عليه وتوضيح خطأه و تبيان أن القرآن حق و منزه عن الأخطاء .. فهل من تفاسير أوضح لهذه الآيات  ؟

 

الجواب: هذه الشبهة اعترضت عمر بن الخطاب وبعض الصحابة حين ووجهوا بقضية امرأة ماتت عن زوج و أختين لأب ، فجمع الصحابة ، وقال: فرض الله للزوج النصف ، و للأختين الثلثين ، فإن بدأت بالزوج لم يبق للأختين الثلثان ، وإن بدأت بالأختين لم يبق للزوج النصف  . فظن عمر حصول العول (أي النقص) في السهام بالنسبة إلى التركة، حيث يكون مجموع السهام - كما قال السائل - سبعة من ستة هي جميع التركة. وقد انقاد لهذا الرأي الظني المخالفون لأهل البيت (عليهم السلام)، وتركوا قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: "علي مع الحق والحق مع علي" ، وقال: "أقضاكم علي" ، وقال: "أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها" ، و "علي مع القرآن والقرآن مع علي" . وفي هذه القضية: روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قوله، كما جاء في الكافي، عن الإمام الباقر (عليه السلام): "إن الذي أحصى رمل عالج ليعلم أن السهام لا تعول على ستة لو تبصرون وجهها لم تجز ستة" !. وعن الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "الحمد لله الذي لا مقدم لما أخر، و لا مؤخر لما قدم، ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: يا أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها لو كنتم قدمتم من قدم الله و أخرتم من أخر الله، وجعلتم الولاية والوراثة حيث جعلها الله ما عال ولي الله، ولا عال سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمر الله إلا وعند علي علمه من كتاب الله، فذوقوا وبال أمركم وما فرطتم فيما قدمت أيديكم، وما الله بظلام للعبيد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" .

ويؤيد ذلك ما نقله العامة عن الزهري، حيث قال الشيخ أبو زهرة في كتابه: (الميراث عند الجعفرية): قال ابن شهاب الزهري: " لولا تقدم فتوى الإمام العادل عمر بن الخطاب على فتوى ابن عباس لكان كلام ابن عباس جديرا بأن يتبعه كل أهل العلم ويصادف الإجماع عليه". وإن الإمامية قد اختاروا رأي ابن عباس رضي الله عنهما ؛ وإنه لفقه جيد" . ومعلوم أن الإمامية لم يتبنوا هذا القول جريا وراء رأي ابن عباس، بل تبعا منهم لأمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي تبعه فيه ابن عباس نفسه.

وفي رواية عبيدالله بن عبدالله بن عتبة قال: جالست ابن عباس، فعرض ذكر الفرائض في المواريث، فقال ابن عباس: سبحان الله العظيم، أترون أن الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا ونصفا وثلثا ، فهذان النصفان قد ذهبا بالمال ، فأين موضع الثلث؟ فقال له زفر بن أوس البصري: يا أبا العباس فمن أول من أعال الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطاب لما التقت (وفي نسخة أخرى: التفت) الفرائض عنده، ودفع بعضها بعضا، فقال: والله ما أدري أيكم قدم الله، وأيكم أخر، وما أجد شيئا هو أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كل ذي سهم ما دخل عليه من عول الفرائض، وايم الله لو قدّم من قدّم الله، وأخر من أخر الله ما عالت فريضة، فقال له زفر: وأيها قدّم، وأيها أخر؟ فقال: كل فريضة لم يهبطها الله عن فريضة إلا إلى فريضة فهذا ما قدم الله، وأما ما أخر فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يبق لها إلا ما بقي، فتلك التي أخر، فأما الذي قدّم فالزوج له النصف، فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع، لا يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع، فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت إلى الثمن، لا يزيلها عنه شيء، والأم لها الثلث، فإذا زالت عنه صارت إلى السدس، ولا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدم الله، وأما التي أخر ففريضة البنات والأخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلا ما بقي، فتلك التي أخر، فإذا اجتمع ما قدم الله وما أخر بدئ بما قدم الله، فأعطي حقه كاملا، فإن بقي شيء كان لمن أخر، وإن لم يبق شيء فلا شيء له، الحديث .

وقد رواه البيهقي، من طريق محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فراجع .

ولتوضيح هذا الحديث نقول:

إن سهام المواريث على ضربين:

الأول: ما يكون له نصيب مفروض في القرآن في كل حالاته وصوره، كالزوج والزوجة والأم، فهؤلاء مهما كانت الصور المحتملة فإن القرآن قد حدد نصيبهم بالنسبة، كالنصف والربع والثمن والثلث والسدس. ومعنى ذلك أنهم يرثون نصيبهم كما ذكر تماما غير منقوص، فلا تدخل عليهم النقيصة أبدا. 

والضرب الثاني: ما لا يكون له نصيب مفروض أصلا، أو يكون له نصيب فقط على بعض الصور، لا في جميعها. كما هو الحال بالنسبة إلى البنت الواحدة، والبنتين أو أكثر، حيث نصيب الأولى النصف، ونصيب الأخريات الثلثان، في بعض الحالات لا فيها جميعا. ومن جهة أخرى نحن نعلم أن الورثة يرثون على كل حال، فالسؤال يأتي بالنسبة لمثل هؤلاء في حالة عدم تحديد النصيب في الكتاب، كما هو الحال في حالة هذا السؤال. وفي هذا الضرب الثاني لا بد من ملاحظة سائر قواعد المواريث لكي يعلم ما هو الموقف القرآني تجاههم.

فإذا نظرنا إلى القرآن الكريم وجدناه يقرر قواعد أخرى عامة تكون مرجعا لنا في صور الخلو من الفروض. ومن تلك القواعد المسلمة: الإرث بالقرابة. ومرجع الإرث بالقرابة قانونان: الأول: " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه" ؛ حيث يرث بهذا القانون ذوو القرابة بقرابتهم، الأقرب فالأقرب. والقانون الثاني: "يوصيكم اللّه في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين" ، وهي نفس الآية مورد السؤال، وذلك أحرى بأن تكون ناظرة للحل. ومن مجموع الآيات والروايات في هذا الضرب الثاني يتبين أن أهل القرابة، بعنوان القرابة لا نصيب لهم مفروضا في الأصل، بمعنى أنهم يرثون كل التركة مع عدم المزاحم، ومع المزاحمة يأخذ الآخر حصته، المفروضة في الكتاب، ويكون جميع الباقي للأقربين. وهذا الباقي، قد يكون هو أكثر التركة، وقد يكون أقل، وفقا لمقتضى قاعدة شرعية وعقلائية أخرى تقول: إن "من له الغنم فعليه الغرم" .

ثم لو قارنا صورة نصيب البنت أو أكثر، مع حالة نصيب الولد، لارتفعت الشبهة من أصلها. حيث إن الولد والذي كان يفترض أن يأخذ بجميع التركة، لولا المزاحم، هو أيضا مع اجتماع الزوج والأبوين، سوف تنقص حصته هو فقط، بنسبة ما يأخذه هؤلاء المزاحمون من حصص موفورة كاملة، كما نص عليها القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

من طرف طريق الفضيلة  |  نشر في :  7:47 م

الأربعاء، 8 أكتوبر 2014




السؤال: هل يجوز للمسلمة زواج المتعة مع رجل من أهل الكتاب لمدة قصيرة؟ واذا كان الجواب لا، لماذا يجوز للرجال المتعة مع الكتابية ولا يجوز للنساء ذلك؟؟ علما بأن الله تعالى منع الزواج من المشرك على الرجل والمرأه المسلمة على حد سواء.. واذا كان السبب ان المتعة قد ينتج عنها الحمل فأنا امرأه عاقر أي لا أحمل فما هو المانع من التمتع..
أرجو الحصول على رد مقنع لأنني أرى ظلم وحرمان للمرأة في هذا الموضوع بالذات!

 
الجواب: لا يجوز للمسلمة الزواج من غير المسلم مطلقا، سواء من الكتابي أم غيره، وعاقرا كانت أم لا، مؤقتا كان الزواج أم دائما. والأصل في الحكم هو النص الشرعي من الكتاب والسنة. وعلى من يؤمن بالله حقا أن يخضع لقوله، فقد أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه، فانقاد لأمر مولاه وسلم طائعا، وكذلك ابنه إسماعيل عليهما السلام، ولذلك كبرا في عين ربهما، ولم يكن الأمر الإلهي إلا امتحانا لإبراهيم وإسماعيل واختبارا لهما، فسمعا وأطاعا. فقال عز من قائل:" فلمّا أسلما وتلّه للجبين . وناديناه أن يا إبراهيم . قد صدّقت الرّؤيا إنّا كذلك نجزي المحسنين . إنّ هذا لهو البلاء المبين ".
والله سبحانه أعلم بعلل أحكامه الواقعية. وما أوتي الإنسان من العلم إلا قليلا، مهما علا في درجات الكمال. وقد قال عز شأنه في محكم كتابه الكريم: " و ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا:"، و قال: "و ربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة:"، وقال تعالى: "و إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد:"، ولطيف خبير، ومحيط رحيم، حريص على مصلحة العبد أكثر من العبد نفسه، ولكن الإنسان يبدي اعتراضه أحيانا لغياب الحقيقة والمصلحة عن ناظريه.
كما أن الهدف الأصلي من وراء خلق الانسان والمجيء به إلى هذه الحياة إنما هو الابتلاء والامتحان، كم قال عز وجل: " أحسب النّاس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون . ولقد فتنّا الّذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الّذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين ". "وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع"، والراحة الحقيقية إنما هي في الآخرة، "وما هذه الحياة الدّنيا إلّا لهو ولعب وإنّ الدّار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون.".
ولا يعلم الإنسان صلاح نفسه، ولو دقق النظر لرأى أن كل ما قدره الله له، إنما كان فيه نفعه وصلاحه، حتى كون المرأة عاقرا، أو قبيحة، والرجل عقيما، أو فقيرا، وما إلى ذلك.
نعم قالوا: إن الأحكام الشرعية عادة ما تلاحظ في تشريعها للقوانين المصلحة العامة للغالبية العظمى، بمعنى إمكان تخلف المصلحة لدى البعض القليل، الذي لا يقاس عليه في ذلك التشريع، وذلك نظير أن تسن الدولة في قانون المرور عدم جواز عبور النور الأحمر، لكن قد يصادف أن يأتي شخص على عجلة من أمره، ويكون الشارع خاليا من  المركبات، ولكنهم مع ذلك يلزمونه باتباع القانون. ومع أن هذا المثال لا يخلو من النقاش، إلا أنه مثال ضرب لمجرد التقريب والتصوير.
إلى ذلك: فقد قالوا: إن المرأة تكون عادة محكومة من قبل الرجل، وواقعة تحت هيمنته، مما يجعل السبيل والولاية حينئذ للزوج الكافر، وهذا الأمر لا يصدق في حال زواج المسلم من الكتابية. ولذلك حينما نقرأ الإحصاءات، ونتتبع أحوال المجتمعات نجد المرأة في العادة تابعة لدين زوجها، وهو من الأمور المرفوضة في الإسلام، والسبب فيه واضح.
ثم إنه قد يقال بعدم تعرض المرأة في العادة لما يتعرض له الرجل من ضغوط جنسية ملحة، لأن الرجل هو الذي يتغرب من أجل العمل، أو لأي داع عقلائي آخر من دواعي التغرب، وليس ذلك متعارفا من قبل المرأة، فإنها في المتعارف لا تترك العائلة التي تحميها، ولا تبقى وحيدة بين ظهراني قوم أجانب أغارب، لتكون فريسة سهلة التناول بين ذئاب، في غياب شرع الله، وصيانة قوانينه.
أضف إلى ذلك: أن المرأة أقدر من الناحية الجنسية على الصبر والتحمل أضعاف قدرة الرجل، بما حباها الله من قدرة نفسية، ونعم جسدية تجعلها مرغوبة لا راغبة، ومطلوبة لا طالبة. وقد ثبت ذلك من النواحي العلمية والاجتماعية، وشهدت به إحصاءات الأمم.
ومع كل ما تقدم، فإن الحكم الفصل إنما هو النص الصريح من الشارع المقدس، في عدم جواز زواج المسلمة من الكافر.
وتعالوا نرجع إلى أنفسنا كمؤمنين بالله عز وجل وكماله وجماله، ونسألها: ما هو نفع الله سبحانه في التحيز للرجل ضد المرأة؟ فليس هو جل وعلا رجلا، ولا عداوة بينه وبين المرأة التي خلقها، وشرع القوانين لحمايتها وصيانتها، بل هو خالق الإنسان وهو أرأف به من ابيه وأمه بسبعين ضعفا، وهو تعالى لإحاطته أعرف بما هو خير للإنسان وبما هو سبب لسعادته ودعته، وإذا أحل له شيئا أو حرم عليه شيئا، فليس له تعالى فيما حلله أو حرمه مصلحة أو نفع، وإنما نفعه ومصلحته للإنسان فقط، وذلك لأنه هو الغني عن خلقه وهم المحتاجون إليه، "ويحلّ لهم الطّيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم". ومن هذا المنطلق حرم الله تعالى ورسوله الكريم وأهل البيت المعصومون زواج المسلمة من غير المسلم، كما كان قد حرم سبحانه زواج المسلم من الكافرة غير الكتابية، مهما كانت تلك المرأة ذات جمال وكمال ظاهريين، ومهما كانت حاجة الرجل الماسة إلى ذلك الزواج. وهنا يأتي دور التسليم بأمر الله اللطيف الخبير، فإن فيه الحكمة، وإن فيه الرحمة، وإن فيه الدين والرشد والسكن.


سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

لم يجوز للرجل الزواج من الكتابية، ولا يجوز ذلك للمرأة؟




السؤال: هل يجوز للمسلمة زواج المتعة مع رجل من أهل الكتاب لمدة قصيرة؟ واذا كان الجواب لا، لماذا يجوز للرجال المتعة مع الكتابية ولا يجوز للنساء ذلك؟؟ علما بأن الله تعالى منع الزواج من المشرك على الرجل والمرأه المسلمة على حد سواء.. واذا كان السبب ان المتعة قد ينتج عنها الحمل فأنا امرأه عاقر أي لا أحمل فما هو المانع من التمتع..
أرجو الحصول على رد مقنع لأنني أرى ظلم وحرمان للمرأة في هذا الموضوع بالذات!

 
الجواب: لا يجوز للمسلمة الزواج من غير المسلم مطلقا، سواء من الكتابي أم غيره، وعاقرا كانت أم لا، مؤقتا كان الزواج أم دائما. والأصل في الحكم هو النص الشرعي من الكتاب والسنة. وعلى من يؤمن بالله حقا أن يخضع لقوله، فقد أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه، فانقاد لأمر مولاه وسلم طائعا، وكذلك ابنه إسماعيل عليهما السلام، ولذلك كبرا في عين ربهما، ولم يكن الأمر الإلهي إلا امتحانا لإبراهيم وإسماعيل واختبارا لهما، فسمعا وأطاعا. فقال عز من قائل:" فلمّا أسلما وتلّه للجبين . وناديناه أن يا إبراهيم . قد صدّقت الرّؤيا إنّا كذلك نجزي المحسنين . إنّ هذا لهو البلاء المبين ".
والله سبحانه أعلم بعلل أحكامه الواقعية. وما أوتي الإنسان من العلم إلا قليلا، مهما علا في درجات الكمال. وقد قال عز شأنه في محكم كتابه الكريم: " و ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا:"، و قال: "و ربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة:"، وقال تعالى: "و إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد:"، ولطيف خبير، ومحيط رحيم، حريص على مصلحة العبد أكثر من العبد نفسه، ولكن الإنسان يبدي اعتراضه أحيانا لغياب الحقيقة والمصلحة عن ناظريه.
كما أن الهدف الأصلي من وراء خلق الانسان والمجيء به إلى هذه الحياة إنما هو الابتلاء والامتحان، كم قال عز وجل: " أحسب النّاس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون . ولقد فتنّا الّذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الّذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين ". "وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع"، والراحة الحقيقية إنما هي في الآخرة، "وما هذه الحياة الدّنيا إلّا لهو ولعب وإنّ الدّار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون.".
ولا يعلم الإنسان صلاح نفسه، ولو دقق النظر لرأى أن كل ما قدره الله له، إنما كان فيه نفعه وصلاحه، حتى كون المرأة عاقرا، أو قبيحة، والرجل عقيما، أو فقيرا، وما إلى ذلك.
نعم قالوا: إن الأحكام الشرعية عادة ما تلاحظ في تشريعها للقوانين المصلحة العامة للغالبية العظمى، بمعنى إمكان تخلف المصلحة لدى البعض القليل، الذي لا يقاس عليه في ذلك التشريع، وذلك نظير أن تسن الدولة في قانون المرور عدم جواز عبور النور الأحمر، لكن قد يصادف أن يأتي شخص على عجلة من أمره، ويكون الشارع خاليا من  المركبات، ولكنهم مع ذلك يلزمونه باتباع القانون. ومع أن هذا المثال لا يخلو من النقاش، إلا أنه مثال ضرب لمجرد التقريب والتصوير.
إلى ذلك: فقد قالوا: إن المرأة تكون عادة محكومة من قبل الرجل، وواقعة تحت هيمنته، مما يجعل السبيل والولاية حينئذ للزوج الكافر، وهذا الأمر لا يصدق في حال زواج المسلم من الكتابية. ولذلك حينما نقرأ الإحصاءات، ونتتبع أحوال المجتمعات نجد المرأة في العادة تابعة لدين زوجها، وهو من الأمور المرفوضة في الإسلام، والسبب فيه واضح.
ثم إنه قد يقال بعدم تعرض المرأة في العادة لما يتعرض له الرجل من ضغوط جنسية ملحة، لأن الرجل هو الذي يتغرب من أجل العمل، أو لأي داع عقلائي آخر من دواعي التغرب، وليس ذلك متعارفا من قبل المرأة، فإنها في المتعارف لا تترك العائلة التي تحميها، ولا تبقى وحيدة بين ظهراني قوم أجانب أغارب، لتكون فريسة سهلة التناول بين ذئاب، في غياب شرع الله، وصيانة قوانينه.
أضف إلى ذلك: أن المرأة أقدر من الناحية الجنسية على الصبر والتحمل أضعاف قدرة الرجل، بما حباها الله من قدرة نفسية، ونعم جسدية تجعلها مرغوبة لا راغبة، ومطلوبة لا طالبة. وقد ثبت ذلك من النواحي العلمية والاجتماعية، وشهدت به إحصاءات الأمم.
ومع كل ما تقدم، فإن الحكم الفصل إنما هو النص الصريح من الشارع المقدس، في عدم جواز زواج المسلمة من الكافر.
وتعالوا نرجع إلى أنفسنا كمؤمنين بالله عز وجل وكماله وجماله، ونسألها: ما هو نفع الله سبحانه في التحيز للرجل ضد المرأة؟ فليس هو جل وعلا رجلا، ولا عداوة بينه وبين المرأة التي خلقها، وشرع القوانين لحمايتها وصيانتها، بل هو خالق الإنسان وهو أرأف به من ابيه وأمه بسبعين ضعفا، وهو تعالى لإحاطته أعرف بما هو خير للإنسان وبما هو سبب لسعادته ودعته، وإذا أحل له شيئا أو حرم عليه شيئا، فليس له تعالى فيما حلله أو حرمه مصلحة أو نفع، وإنما نفعه ومصلحته للإنسان فقط، وذلك لأنه هو الغني عن خلقه وهم المحتاجون إليه، "ويحلّ لهم الطّيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم". ومن هذا المنطلق حرم الله تعالى ورسوله الكريم وأهل البيت المعصومون زواج المسلمة من غير المسلم، كما كان قد حرم سبحانه زواج المسلم من الكافرة غير الكتابية، مهما كانت تلك المرأة ذات جمال وكمال ظاهريين، ومهما كانت حاجة الرجل الماسة إلى ذلك الزواج. وهنا يأتي دور التسليم بأمر الله اللطيف الخبير، فإن فيه الحكمة، وإن فيه الرحمة، وإن فيه الدين والرشد والسكن.


سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

من طرف طريق الفضيلة  |  نشر في :  7:56 م

الاثنين، 6 أكتوبر 2014




السؤال: هناك آيات قرآنية تصرح بكون الله في السماء، مثل قوله تعالى: " أأمنتم من في السّماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور . أم أمنتم من في السّماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير" (الملك: 16-17)، وقوله: "يدبّر الأمر من السّماء إلى الأرض ثمّ يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ممّا تعدّون" (السجدة: 5) فلماذا الاعتراض على هذه الفكرة القرآنية، والتي يشهد لها قوله سبحانه: " الرحمن على العرش استوى" (طه: 5)، وقوله: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه" (فاطر: 10)، ويؤيدها رفع أيدينا نحو السماء لاستجابة دعواتنا، وحين عرج بالنبي عليه الصلاة والسلام عرج به إلى السماوات السبع، ووصل إلى السماء السابعة، وإلى العرش، وبلغ "قاب قوسين أو أدنى" من ربه؟ ويدل على ذلك أيضا من السنة قوله عليه الصلاة والسلام: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، وفي حديث الجارية التي امتحنها رسول الله فسألها: أين الله؟ قالت: في السماء، ثم قال لها: ومن أنا؟ قالت: رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة.
 
الجواب: لا تدل النصوص والشواهد المذكورة على أن مكان الله سبحانه في السماء، وذلك لأمور من العقل والنقل:
الأول: أن الله سبحانه هو خالق السماء والأرض والكون وكل مخلوق، والسماء مخلوقة ومحدثة، فنسأل: أين كان الله قبل خلقها. بل وأين سيكون سبحانه بعد فنائها، لأن الله سبحانه يقول: " يوم نطوي السّماء كطيّ السّجلّ للكتب كما بدأنا أوّل خلق نعيده"[1]. ولا أظن مدعي المكانية أن يقول بقدم السماء، وإلا حكم على نفسه بالشرك.
والثاني: أن هذه النصوص من الآيات والأحاديث تقابلها نصوص كذلك تدل على وجوده في الأرض وما بينهما، كقوله عز من قائل: "وهو الّذي في السّماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم "[2] ، وقوله: "وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون"[3]، وقوله: "قل لمن ما في السموات والأرض قل لله"[4]، وقوله: "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم"[5]، وقوله: "يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا"[6]، وقوله: "ما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم ولا خمسة إلا وهو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا وهو معهم أين ما كانوا"[7].
والثالث: ماذا نفعل في الآيات التي تقول: إن الله أقرب إلينا من حبل الوريد؟ وهذا يفيد أمرين: الأول: أنه قريب منا وهو لا يتمشى مع القول بأنه في السماء وليس في الأرض، والثاني: أن هذا القرب لا معنى له مفهوما إلا على القول بأنه خارج المكان والزمان، وإلا إذا كان الله قريبا من البعيد عنا، فمن الطبيعي أن يكون بعيدا عنا، فكونه جلت عظمته قريبا من الكل لا بد أن يفسر بتفسير مختلف، خارج عن نطاق الزمان والمكان. ومن هنا نجد أنفسنا مضطرين لتفسير القرب في قوله تعالى: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون"[8]، بالقرب المعنوي الحقيقي، دون المادي. ويؤيد ذلك ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"[9].
الرابع: أن السماء في الواقع تشمل الأرض أيضا، فإن الأرض مدورة، وما يكون من إحدى جهاتها فوقا، هو تحت من جهة أخرى. وعليه فإن الأرض بنفسها تكون سماء أيضا، لأنها جرم من أجرامها، فما كنا قد نفيناه أثبتناه، وما أثبتناه نفيناه بنفس التقريب.
ثم كيف يستقيم هذا الزعم مع أن الله يقول: " وسع كرسيه السموات والأرض"[10]؟، إذ الكرسي يشمل السموات والأرض، ثم تذكر النصوص أن الكرسي كحلقة في فلاة داخل العرش. فكيف يكون سبحانه في السماء بينما هو مستو ومهيمن على العرش والكرسي.
إن أمثال هذه الألفاظ لا يراد منها ظاهرها حتما، بل يراد منها معناها العرفي المعتاد، وهو علو الله سبحانه المعنوي. ولهذه النكتة ترانا نرفع أيدينا مفتوحة نحو السماء، لا لشيء إلا لمكان الخيرات والرزق، كما قال عز وجل: "وفي السماء رزقكم وما توعدون"[11]، ولمكان العلو والسمو، كم أشرنا آنفا.
الخامس: لا يمكن القبول بكونه جل شأنه في السماء أو في الأرض أو فيهما معا، فإن لازم ذلك نسبة الجسمية له تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ولازم الجسمية المحدودية، ولازم المحدودية الفقر والحاجة، ولازم الفقر والحاجة المخلوقية، سبحانه وتعالى عما يدعي المرجفون.
وأما حديث الجارية فهو أولا: ليس حجة علينا؛ لأنه مما رواه العامة في كتبهم، وهم من يحاسب عليه لا نحن.
 وثانيا: حتى عند العامة هي غير ثابتة، وقد ناقشوها ونقدوها متنا ودلالة وسندا، فإنها مروية بعدة صور، منها: أنه صلى الله عليه وآله سألها عن الله وعن الشهادتين فأجابت، ولم يسألها بناء على بعض الروايات عن مكان الله. وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال.
 وثالثا: حتى على تسليم الرواية لا يمكن الحكم بها لأن النبي صلى الله عليه وآله إنما ادرك من كلامها أنها مؤمنة بالله وحده، ولم تكن تعتقد بالأصنام أربابا من دون الله.
 ورابعا: سلمنا دلالة الحديث وصحة طريقه، ولكن مع ذلك لا يمكن أن يكون خبر الآحاد مستندا وحيدا للعقائد الخطيرة، ولا سيما في أصل العقيدة، وهو صفات الله عز وجل.
فتبين مما تقدم أن المراد من الظرفية في مثل (في السماء) أو (في الأرض) إنما هو الهيمنة والعلم والإحاطة، ومن الاستعلاء والفوقية، فوقية المكانة لا فوقية المكان، وواضح أن الله هو الأعلى والعلي والمتعالي، ولا يمكن أن يوصف بالأسفل والسافل، وليس المقصود بذلك اللحاظ الفلكي والجغرافي حتما، وإلا فكما بينا أن الذي نشير إليه نحن تلقاء الأعلى، يكون بالنسبة لمن هم في الطرف الآخر من الأرض تحت أرجلهم.
ثم هنا مسألة هامة خاطب الله الناس على وفقها، وبناء عليها، وهي: أن السماء بما فيها من أجرام، وأفلاك وشمس وقمر وغيوم ورياح، كل أولئك يشكل مصدر الخير والرزق، والسخط والغضب، بشكله الظاهري الملموس، وكما قال الله سبحانه: "وفي السماء رزقكم وما توعدون"[12]. ومحاكاة الناس بلغتهم ووفق ما يتخاطبون أليق وأولى.
وأما حديث المعراج وآياته فالكلام فيهما يطول، والقول الراجح فيها أن القرب إما أن يكون من جبرئيل عليه السلام، أو - وهو القول الأرجح - أن يكون القرب من الله سبحانه، ولكن من مقامه المعنوي، وحاش لله أن يكون له مكان مادي محسوس.

سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

__________
[1] (الأنبياء: 104).
[2] (الزخرف: 84).
[3] (الأنعام: 3).
[4] (الأنعام:12).
[5] (البقرة: 115).
[6] (النساء: 108).
[7] (المجادلة: 7).
[8] (البقرة: 186).
[9] (الكافي ج3: ص323|7 باب السجود والتسبيح والدعاء. مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله: 1/350 ، رقم 482).
[10] البقرة: 255.
[11] (الذاريات: 22).
[12] (الذاريات: 22).

هل الله في السماء؟!




السؤال: هناك آيات قرآنية تصرح بكون الله في السماء، مثل قوله تعالى: " أأمنتم من في السّماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور . أم أمنتم من في السّماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير" (الملك: 16-17)، وقوله: "يدبّر الأمر من السّماء إلى الأرض ثمّ يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ممّا تعدّون" (السجدة: 5) فلماذا الاعتراض على هذه الفكرة القرآنية، والتي يشهد لها قوله سبحانه: " الرحمن على العرش استوى" (طه: 5)، وقوله: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه" (فاطر: 10)، ويؤيدها رفع أيدينا نحو السماء لاستجابة دعواتنا، وحين عرج بالنبي عليه الصلاة والسلام عرج به إلى السماوات السبع، ووصل إلى السماء السابعة، وإلى العرش، وبلغ "قاب قوسين أو أدنى" من ربه؟ ويدل على ذلك أيضا من السنة قوله عليه الصلاة والسلام: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، وفي حديث الجارية التي امتحنها رسول الله فسألها: أين الله؟ قالت: في السماء، ثم قال لها: ومن أنا؟ قالت: رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة.
 
الجواب: لا تدل النصوص والشواهد المذكورة على أن مكان الله سبحانه في السماء، وذلك لأمور من العقل والنقل:
الأول: أن الله سبحانه هو خالق السماء والأرض والكون وكل مخلوق، والسماء مخلوقة ومحدثة، فنسأل: أين كان الله قبل خلقها. بل وأين سيكون سبحانه بعد فنائها، لأن الله سبحانه يقول: " يوم نطوي السّماء كطيّ السّجلّ للكتب كما بدأنا أوّل خلق نعيده"[1]. ولا أظن مدعي المكانية أن يقول بقدم السماء، وإلا حكم على نفسه بالشرك.
والثاني: أن هذه النصوص من الآيات والأحاديث تقابلها نصوص كذلك تدل على وجوده في الأرض وما بينهما، كقوله عز من قائل: "وهو الّذي في السّماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم "[2] ، وقوله: "وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون"[3]، وقوله: "قل لمن ما في السموات والأرض قل لله"[4]، وقوله: "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم"[5]، وقوله: "يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا"[6]، وقوله: "ما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم ولا خمسة إلا وهو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا وهو معهم أين ما كانوا"[7].
والثالث: ماذا نفعل في الآيات التي تقول: إن الله أقرب إلينا من حبل الوريد؟ وهذا يفيد أمرين: الأول: أنه قريب منا وهو لا يتمشى مع القول بأنه في السماء وليس في الأرض، والثاني: أن هذا القرب لا معنى له مفهوما إلا على القول بأنه خارج المكان والزمان، وإلا إذا كان الله قريبا من البعيد عنا، فمن الطبيعي أن يكون بعيدا عنا، فكونه جلت عظمته قريبا من الكل لا بد أن يفسر بتفسير مختلف، خارج عن نطاق الزمان والمكان. ومن هنا نجد أنفسنا مضطرين لتفسير القرب في قوله تعالى: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون"[8]، بالقرب المعنوي الحقيقي، دون المادي. ويؤيد ذلك ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"[9].
الرابع: أن السماء في الواقع تشمل الأرض أيضا، فإن الأرض مدورة، وما يكون من إحدى جهاتها فوقا، هو تحت من جهة أخرى. وعليه فإن الأرض بنفسها تكون سماء أيضا، لأنها جرم من أجرامها، فما كنا قد نفيناه أثبتناه، وما أثبتناه نفيناه بنفس التقريب.
ثم كيف يستقيم هذا الزعم مع أن الله يقول: " وسع كرسيه السموات والأرض"[10]؟، إذ الكرسي يشمل السموات والأرض، ثم تذكر النصوص أن الكرسي كحلقة في فلاة داخل العرش. فكيف يكون سبحانه في السماء بينما هو مستو ومهيمن على العرش والكرسي.
إن أمثال هذه الألفاظ لا يراد منها ظاهرها حتما، بل يراد منها معناها العرفي المعتاد، وهو علو الله سبحانه المعنوي. ولهذه النكتة ترانا نرفع أيدينا مفتوحة نحو السماء، لا لشيء إلا لمكان الخيرات والرزق، كما قال عز وجل: "وفي السماء رزقكم وما توعدون"[11]، ولمكان العلو والسمو، كم أشرنا آنفا.
الخامس: لا يمكن القبول بكونه جل شأنه في السماء أو في الأرض أو فيهما معا، فإن لازم ذلك نسبة الجسمية له تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ولازم الجسمية المحدودية، ولازم المحدودية الفقر والحاجة، ولازم الفقر والحاجة المخلوقية، سبحانه وتعالى عما يدعي المرجفون.
وأما حديث الجارية فهو أولا: ليس حجة علينا؛ لأنه مما رواه العامة في كتبهم، وهم من يحاسب عليه لا نحن.
 وثانيا: حتى عند العامة هي غير ثابتة، وقد ناقشوها ونقدوها متنا ودلالة وسندا، فإنها مروية بعدة صور، منها: أنه صلى الله عليه وآله سألها عن الله وعن الشهادتين فأجابت، ولم يسألها بناء على بعض الروايات عن مكان الله. وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال.
 وثالثا: حتى على تسليم الرواية لا يمكن الحكم بها لأن النبي صلى الله عليه وآله إنما ادرك من كلامها أنها مؤمنة بالله وحده، ولم تكن تعتقد بالأصنام أربابا من دون الله.
 ورابعا: سلمنا دلالة الحديث وصحة طريقه، ولكن مع ذلك لا يمكن أن يكون خبر الآحاد مستندا وحيدا للعقائد الخطيرة، ولا سيما في أصل العقيدة، وهو صفات الله عز وجل.
فتبين مما تقدم أن المراد من الظرفية في مثل (في السماء) أو (في الأرض) إنما هو الهيمنة والعلم والإحاطة، ومن الاستعلاء والفوقية، فوقية المكانة لا فوقية المكان، وواضح أن الله هو الأعلى والعلي والمتعالي، ولا يمكن أن يوصف بالأسفل والسافل، وليس المقصود بذلك اللحاظ الفلكي والجغرافي حتما، وإلا فكما بينا أن الذي نشير إليه نحن تلقاء الأعلى، يكون بالنسبة لمن هم في الطرف الآخر من الأرض تحت أرجلهم.
ثم هنا مسألة هامة خاطب الله الناس على وفقها، وبناء عليها، وهي: أن السماء بما فيها من أجرام، وأفلاك وشمس وقمر وغيوم ورياح، كل أولئك يشكل مصدر الخير والرزق، والسخط والغضب، بشكله الظاهري الملموس، وكما قال الله سبحانه: "وفي السماء رزقكم وما توعدون"[12]. ومحاكاة الناس بلغتهم ووفق ما يتخاطبون أليق وأولى.
وأما حديث المعراج وآياته فالكلام فيهما يطول، والقول الراجح فيها أن القرب إما أن يكون من جبرئيل عليه السلام، أو - وهو القول الأرجح - أن يكون القرب من الله سبحانه، ولكن من مقامه المعنوي، وحاش لله أن يكون له مكان مادي محسوس.

سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

__________
[1] (الأنبياء: 104).
[2] (الزخرف: 84).
[3] (الأنعام: 3).
[4] (الأنعام:12).
[5] (البقرة: 115).
[6] (النساء: 108).
[7] (المجادلة: 7).
[8] (البقرة: 186).
[9] (الكافي ج3: ص323|7 باب السجود والتسبيح والدعاء. مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله: 1/350 ، رقم 482).
[10] البقرة: 255.
[11] (الذاريات: 22).
[12] (الذاريات: 22).

من طرف طريق الفضيلة  |  نشر في :  8:07 م

الجمعة، 26 سبتمبر 2014




السؤال: كما يقول العامة في احاديثهم " ان سيدتنا 
حواء خلقها الله من ضلع اعوج من سيدنا ادم "، و نفى ذلك الامام الصادق عليه السلام عند سؤاله عن ذلك و تبين لنا ذلك من الحديث وقد جاء في (علل الشرائع، والفقيه) ـ كلاهما للشيخ الصدوق ـ ما يدل على ردها من عدم خلقة حواء من ضلع آدم, فعن زرارة قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن خلق حواء من ضلع آدم الايسر الاقصى, قال سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا أيقول من يقول هذا ان الله تبارك وتعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجته من غير ضلعه وجعل لمتكلم من أهل التشنيع سبيلاً الى الكلام يقول إن آدم كان ينكح بعضه بعضاً ما لهؤلاء حكم الله بيننا وبينهم. (علل الشرائع1/17), (من لا يحضره الفقيه 3/379). الحديث الاخر الذي يثبت بان الله سبحانة خلق حواء عليها السلام من فاضل طينة ادم عليه السلام الحديث التالي : عن عمرو بن ابي المقدام ، عن ابيه قال : سألت ابا جعفر عليه السلام : من اي شيء خلق الله حواء ؟ فقال : اي شيء يقول هذا الخلق ؟ قلت : يقولون : ان الله خلقها من ضلع من اضلاع آدم ، فقال : كذبوا ، كان يعجزه ان يخلقها من غير ضلعه ؟ فقلت : جعلت فداك يابن رسول الله من اي شيء خلقها ؟ فقال : اخبرني ابي ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ان الله تبارك وتعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه ـ وكلتا يديه يمين (اي بقدرته) ـ فخلق منها آدم ، وفضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء. (تفسير العياشي مخطوط ، عنه البحار : ج 11 ص 116). و الحديث الذي استغربت منه قول الامام علي عليه الصلاة و السلام في شأن المرأة التى ذهبت لشريح القاضي و هي من الذين لهم صفات النساء و الرجال ولها عضو انثوي وذكري و طرح امرها الى الامام امير المؤمنين علية الصلاة و السلام وفي اخر الحديث يقول الامام عليه السلام : من ابي ادم ان حواء خلقت من ضلع ادم فاضلاع الرجل اقل من اضلاع المرأة بضلع . (شرح الاخبار ، القاضي النعمان المغربي ج 2 ص 326 ). فما هو رايكم هل راي الامام علي علية الصلاة و السلام محمول على التقية ام ما هو رايكم. ونسألكم الدعاء.

الجواب: ألسنة الأحاديث في ذلك مختلفة، ظاهر بعضها الإثبات، وظاهر بعضها الآخر النفي. إلا أن النافي أكثر وأظهر وأقوى، فقد روى الصدوق في الفقيه، عن زرارة في الصحيح " قال: سئل أبو عبد الله ( عليه السلام ) عن خلق حواء وقيل له: إن أناساً عندنا يقولون: إن الله عز وجل خلق حواء من ضلع آدم الايسر الأقصى، فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، أيقول من يقول هذا: إن الله تبارك وتعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجة من غير ضلعه، ويجعل للمتكلم من أهل التشنيع سبيلاً إلى الكلام أن يقول: إن آدم كان ينكح بعضه بعضاً إذا كانت من ضلعه، ما لهؤلاء! حكم الله بيننا وبينهم!. ثم قال عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم عليه السلام من طين وأمر الملائكة فسجدوا له ألقي عليه السبات، ثم ابتدع له حواء، فجعلها في موضع النقرة التي بين وركيه، وذلك لكي تكون المرأة تبعا للرجل، فأقبلت تتحرك فانتبه لتحركها، فلما انتبه نوديت أن تنحي عنه، فلما نظر إليها نظر إلى خلق حسن، يشبه صورته، غير أنها أنثى، فكلمها فكلمته بلغته، فقال لها: من أنت؟ قالت: خلق خلقني الله كما ترى، فقال آدم عليه السلام عند ذلك: يا رب ما هذا الخلق الحسن الذي قد آنسني قربه، والنظر إليه؟ فقال الله تبارك وتعالى: يا آدم هذه أمتي حواء، أفتحب أن تكون معك تؤنسك وتحدثك وتكون تبعاً لأمرك؟ فقال: نعم يا رب، ولك علي بذلك الحمد والشكر ما بقيت، فقال له عزوجل: فاخطبها إلي فإنها أمتي، وقد تصلح لك أيضا زوجة للشهوة، وألقى الله عز وجل عليه الشهوة، وقد علمه قبل ذلك المعرفة بكل شئ فقال: يا رب فإني أخطبها إليك فما رضاك لذلك؟ فقال عز وجل: رضاي أن تعلمها معالم ديني، فقال: ذلك لك يا رب علي إن شئت ذلك لي، فقال عز وجل: وقد شئت ذلك، وقد زوجتكها فضمها إليك، فقال لها آدم عليه السلام: إليّ فأقبلي، فقالت له: بل أنت فأقبل إلي. فأمر الله عز وجل آدم أن يقوم إليها، ولولا ذلك لكان النساء هن يذهبن إلى الرجال حتى يخطبن على أنفسهن فهذه قصة حواء صلوات الله عليها ".

ثم قال الشيخ الصدوق بعد نقل الخبر:  وأما قول الله عز وجل: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً"؛ فإنه روي: " أنه عز وجل خلق من طينتها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً ".

والخبر الذي روي أن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر صحيح، ومعناه من الطينة التي فضلت من ضلعه الأيسر، فلذلك صارت أضلاع الرجل أنقص من أضلاع النساء بضلع".

على أن أحاديث خلق المرأة من ضلع أعوج تواجه عدة مشاكل في الدلالة أيضاً، علاوة على السند، فإن مآلها حسب الألفاظ الواردة إلى أن آدم عيه السلام قد نُقص ضلعاً من أضلاعه ، وهذا الأمر لا يصمد أمام الحقائق العلمية الثابتة، وهي كون عدد الأضلاع عند الجنسين واحداً، مضافاً إلى كون الأضلاع لدى الجنسين كذلك معوجة، ولا خصوصية لأضلاع المرأة في ذلك. نعم ذكروا أن القفص الصدري عند المرأة أضيق منه عند الرجل، وعظم الحوض لديها أوسع منه لدى الرجل، وكل ذلك كمال بالنسبة إلى كل منهما، لكي يتمكن من أداء وظائفه كرجل أو كامرأة على أتم وجه. ولكن هذا أمر آخر غير ما تكلف بعضهم ببيانه لبيان كون المرأة تنحني على طفلها في رضاعته، وأن كل ألفاظ الحنان والعطف ناشئة من الانحناء والاعوجاج، مثل ألفاظ الحنُوّ والحدب والعطف وما إلى ذلك، فكل هذه أمور استحسانية ظنية، لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، " وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ".

وتطرف قوم آخرون من جهة أخرى فقالوا: إن رواية الضلع المعوج تهين المرأة وتحط من قيمتها، وليت شعري ما المشكلة في أن يكون بعض البشر من بعض، إذا كان ناشئاً عن سرٍّ غرسه الله في خلقه للتواصل والتكامل بين الجنسين، كونهما بالمآل يرجعان إلى أصل واحد، مما يجعل بعضهما يألف بالقرب والميل من البعض الأخر. ولعل بعض الآيات تؤيد هذا المطلب، ولا أقل من عدم منافاتها له، في مثل قوله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباًً"، وقوله عز وجل: " "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا "، بناء على حمل (من) هنا على التبعيض لا الجنس.

ثم أي مشكلة في أن يكون ضلع المرأة معوجّاً، وهل كمال كل شيء إلا بحسبه، فهل الانحناء إلاّ كمال  للدائرة والقوس والهلال، وهل يمكن أن تمدح المرأة بالضخامة والصلابة واستقامة البدن؟! ما لهم كيف يحكمون؟!


 سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

هل المرأة خلقت من ضلع معوج، وهل ضلعها أعوج؟




السؤال: كما يقول العامة في احاديثهم " ان سيدتنا 
حواء خلقها الله من ضلع اعوج من سيدنا ادم "، و نفى ذلك الامام الصادق عليه السلام عند سؤاله عن ذلك و تبين لنا ذلك من الحديث وقد جاء في (علل الشرائع، والفقيه) ـ كلاهما للشيخ الصدوق ـ ما يدل على ردها من عدم خلقة حواء من ضلع آدم, فعن زرارة قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن خلق حواء من ضلع آدم الايسر الاقصى, قال سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا أيقول من يقول هذا ان الله تبارك وتعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجته من غير ضلعه وجعل لمتكلم من أهل التشنيع سبيلاً الى الكلام يقول إن آدم كان ينكح بعضه بعضاً ما لهؤلاء حكم الله بيننا وبينهم. (علل الشرائع1/17), (من لا يحضره الفقيه 3/379). الحديث الاخر الذي يثبت بان الله سبحانة خلق حواء عليها السلام من فاضل طينة ادم عليه السلام الحديث التالي : عن عمرو بن ابي المقدام ، عن ابيه قال : سألت ابا جعفر عليه السلام : من اي شيء خلق الله حواء ؟ فقال : اي شيء يقول هذا الخلق ؟ قلت : يقولون : ان الله خلقها من ضلع من اضلاع آدم ، فقال : كذبوا ، كان يعجزه ان يخلقها من غير ضلعه ؟ فقلت : جعلت فداك يابن رسول الله من اي شيء خلقها ؟ فقال : اخبرني ابي ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ان الله تبارك وتعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه ـ وكلتا يديه يمين (اي بقدرته) ـ فخلق منها آدم ، وفضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء. (تفسير العياشي مخطوط ، عنه البحار : ج 11 ص 116). و الحديث الذي استغربت منه قول الامام علي عليه الصلاة و السلام في شأن المرأة التى ذهبت لشريح القاضي و هي من الذين لهم صفات النساء و الرجال ولها عضو انثوي وذكري و طرح امرها الى الامام امير المؤمنين علية الصلاة و السلام وفي اخر الحديث يقول الامام عليه السلام : من ابي ادم ان حواء خلقت من ضلع ادم فاضلاع الرجل اقل من اضلاع المرأة بضلع . (شرح الاخبار ، القاضي النعمان المغربي ج 2 ص 326 ). فما هو رايكم هل راي الامام علي علية الصلاة و السلام محمول على التقية ام ما هو رايكم. ونسألكم الدعاء.

الجواب: ألسنة الأحاديث في ذلك مختلفة، ظاهر بعضها الإثبات، وظاهر بعضها الآخر النفي. إلا أن النافي أكثر وأظهر وأقوى، فقد روى الصدوق في الفقيه، عن زرارة في الصحيح " قال: سئل أبو عبد الله ( عليه السلام ) عن خلق حواء وقيل له: إن أناساً عندنا يقولون: إن الله عز وجل خلق حواء من ضلع آدم الايسر الأقصى، فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، أيقول من يقول هذا: إن الله تبارك وتعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجة من غير ضلعه، ويجعل للمتكلم من أهل التشنيع سبيلاً إلى الكلام أن يقول: إن آدم كان ينكح بعضه بعضاً إذا كانت من ضلعه، ما لهؤلاء! حكم الله بيننا وبينهم!. ثم قال عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم عليه السلام من طين وأمر الملائكة فسجدوا له ألقي عليه السبات، ثم ابتدع له حواء، فجعلها في موضع النقرة التي بين وركيه، وذلك لكي تكون المرأة تبعا للرجل، فأقبلت تتحرك فانتبه لتحركها، فلما انتبه نوديت أن تنحي عنه، فلما نظر إليها نظر إلى خلق حسن، يشبه صورته، غير أنها أنثى، فكلمها فكلمته بلغته، فقال لها: من أنت؟ قالت: خلق خلقني الله كما ترى، فقال آدم عليه السلام عند ذلك: يا رب ما هذا الخلق الحسن الذي قد آنسني قربه، والنظر إليه؟ فقال الله تبارك وتعالى: يا آدم هذه أمتي حواء، أفتحب أن تكون معك تؤنسك وتحدثك وتكون تبعاً لأمرك؟ فقال: نعم يا رب، ولك علي بذلك الحمد والشكر ما بقيت، فقال له عزوجل: فاخطبها إلي فإنها أمتي، وقد تصلح لك أيضا زوجة للشهوة، وألقى الله عز وجل عليه الشهوة، وقد علمه قبل ذلك المعرفة بكل شئ فقال: يا رب فإني أخطبها إليك فما رضاك لذلك؟ فقال عز وجل: رضاي أن تعلمها معالم ديني، فقال: ذلك لك يا رب علي إن شئت ذلك لي، فقال عز وجل: وقد شئت ذلك، وقد زوجتكها فضمها إليك، فقال لها آدم عليه السلام: إليّ فأقبلي، فقالت له: بل أنت فأقبل إلي. فأمر الله عز وجل آدم أن يقوم إليها، ولولا ذلك لكان النساء هن يذهبن إلى الرجال حتى يخطبن على أنفسهن فهذه قصة حواء صلوات الله عليها ".

ثم قال الشيخ الصدوق بعد نقل الخبر:  وأما قول الله عز وجل: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً"؛ فإنه روي: " أنه عز وجل خلق من طينتها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً ".

والخبر الذي روي أن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر صحيح، ومعناه من الطينة التي فضلت من ضلعه الأيسر، فلذلك صارت أضلاع الرجل أنقص من أضلاع النساء بضلع".

على أن أحاديث خلق المرأة من ضلع أعوج تواجه عدة مشاكل في الدلالة أيضاً، علاوة على السند، فإن مآلها حسب الألفاظ الواردة إلى أن آدم عيه السلام قد نُقص ضلعاً من أضلاعه ، وهذا الأمر لا يصمد أمام الحقائق العلمية الثابتة، وهي كون عدد الأضلاع عند الجنسين واحداً، مضافاً إلى كون الأضلاع لدى الجنسين كذلك معوجة، ولا خصوصية لأضلاع المرأة في ذلك. نعم ذكروا أن القفص الصدري عند المرأة أضيق منه عند الرجل، وعظم الحوض لديها أوسع منه لدى الرجل، وكل ذلك كمال بالنسبة إلى كل منهما، لكي يتمكن من أداء وظائفه كرجل أو كامرأة على أتم وجه. ولكن هذا أمر آخر غير ما تكلف بعضهم ببيانه لبيان كون المرأة تنحني على طفلها في رضاعته، وأن كل ألفاظ الحنان والعطف ناشئة من الانحناء والاعوجاج، مثل ألفاظ الحنُوّ والحدب والعطف وما إلى ذلك، فكل هذه أمور استحسانية ظنية، لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، " وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ".

وتطرف قوم آخرون من جهة أخرى فقالوا: إن رواية الضلع المعوج تهين المرأة وتحط من قيمتها، وليت شعري ما المشكلة في أن يكون بعض البشر من بعض، إذا كان ناشئاً عن سرٍّ غرسه الله في خلقه للتواصل والتكامل بين الجنسين، كونهما بالمآل يرجعان إلى أصل واحد، مما يجعل بعضهما يألف بالقرب والميل من البعض الأخر. ولعل بعض الآيات تؤيد هذا المطلب، ولا أقل من عدم منافاتها له، في مثل قوله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباًً"، وقوله عز وجل: " "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا "، بناء على حمل (من) هنا على التبعيض لا الجنس.

ثم أي مشكلة في أن يكون ضلع المرأة معوجّاً، وهل كمال كل شيء إلا بحسبه، فهل الانحناء إلاّ كمال  للدائرة والقوس والهلال، وهل يمكن أن تمدح المرأة بالضخامة والصلابة واستقامة البدن؟! ما لهم كيف يحكمون؟!


 سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.

من طرف طريق الفضيلة  |  نشر في :  9:23 م
back to top